Sharh Talwih
شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه
Genres
وحمله أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه عن النوع الأول أي ثواب الأعمال لا يكون إلا بالنية، وذلك لوجهين الأول أن الثواب ثابت اتفاقا إذ لا ثواب بدون النية فلو أريد الصحة أيضا يلزم عموم المشترك أو المجاز، الثاني أنه لو حمل على الثواب لكان باقيا على عمومه إذ لا ثواب بدون النية أصلا بخلاف الصحة فإنها قد تكون بدون النية كالبيع والنكاح، ثم على تقدير حمله على الثواب يدل الحديث على عدم صحة العبادات بدون النية لأن المقصود منها الثواب فعند تخلف الثواب لا تبقى الصحة فالوضوء في كونه عبادة يفتقر إلى النية وفي كونه مفتاحا للصلاة لا يفتقر كذا ذكره المصنف رحمه الله، وفيه نظر أما أولا فلأنا لا نسلم أن الثواب مراد بالاتفاق، وعدم الثواب بدون النية اتفاقا لا يقتضي ذلك لأن موافقة الحكم للدليل لا تقتضي إرادته منه وثبوته به ليلزم عموم المشترك بمعنى إرادة معنييه مثلا قولنا العين جسم ليس من عموم المشترك في شيء، وإن كان الحكم بالجسمية ثابتا لمعانيه، وأما ثانيا فلأن القول بعدم عموم المجاز مما لم يثبت من الشافعي رحمه الله تعالى على ما سبق، ولو سلم فله أن يقول هذا الحديث من قبيل المحذوف لا المجاز أي حكم الأعمال بالنية، وأما ثالثا فلأن عدم بقاء الأعمال على العموم مشترك الإلزام إذ لا بد عندكم من تخصيصها بالأعمال التي هي محل الثواب فيخص عنده أيضا بغير البيع والنكاح وأمثال ذلك مما لا يفتقر صحته إلى النية بإجماع، وأما رابعا فلأن انتفاء الثواب إنما يستلزم انتفاء الصحة لو كانت الصحة عبارة عن ترتب الغرض، والغرض هو الثواب أما لو كانت الصحة عبارة عن الأجزاء أو دفع وجوب القضاء أو كان الغرض هو الامتثال موافقة للشرع فلا، وأما خامسا فلورود النخلة ولا يأكل من هذا الدقيق ولا يشرب من هذا البئر حتى إذا استف أو كرع لا يحنث ونحو لا يضع قدمه في دار فلان وكالأسماء المنقولة ونحو التوكيل بالخصومة فإنه يصرف إلى الجواب لأن معناه الحقيقي مهجور شرعا وهو كالمهجور عادة فيتناول الإقرار والإنكار".
اعلم أن القرينة إما خارجة عن المتكلم والكلام أي لا تكون معنى في المتكلم أي صفة له ولا تكون من جنس الكلام أو تكون معنى في المتكلم أو تكون من جنس الكلام ثم هذه القرينة التي هي من جنس الكلام إما لفظ خارج عن هذا الكلام الذي يكون المجاز فيه بل يكون في كلام آخر أي يكون ذلك اللفظ الخارج دالا على عدم إرادة الحقيقة أو
...................................................................... ..........................
الإشكال المشهور، وهو أنا لا نسلم أن الحكم مشترك بين النوعين اشتراكا لفظيا بأن يوضع بإزاء كل واحد منهما وضعا على حدة بل هو موضوع لأثر الشيء ولازمه فيعم الجواز والفساد والثواب والإثم وغير ذلك كما يعم الحيوان الإنسان، والفرس، وغيرهما، واللون السواد والبياض ونحوهما، فإرادة النوعين لا تكون من عموم المشترك في شيء.
وأجاب المصنف رحمه الله تعالى عن ذلك بأنا لا نعني بقولنا الأعمال مجاز عن الحكم أن هذا الكلام قائم مقام قولنا حكم الأعمال بالنيات لأن كون الحكم بمعنى الأثر الثابت بالشيء إنما هو من أوضاع الفقهاء، واصطلاحات المتأخرين، ولم يكن في عهد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بل المراد أن العمل مجاز عما يصدق عليه أنه أثر العمل ولازمه، وذلك معان متباينة هي الثواب والمأثم والجواز والفساد ونحو ذلك، والأعمال بالنسبة إليها بمنزلة المشترك اللفظي لكونها موضوعة لكل منها وضعا نوعيا على حدة فلا يراد الجميع، وفيه نظر لأن الاشتراك إنما يلزم عند تعدد أنواع المجاز كاللفظ بالنسبة إلى سبب معناه الحقيقي، ومسببه ومحله وحاله، ونحو ذلك لا بالنسبة إلى أفراد نوع واحد، ولا شك أن الملابس بحقيقة العمل ليس هو الثواب أو الصحة مثلا بخصوصه بل أثره ولازمه، ونحو ذلك، وهذا يشمل الصحة والثواب من حيث إن كلا منهما من أفراد المعنى المجازي فالمراد بكونه مجازا عن الحكم أنه مجاز عن المعنى الذي وضع الحكم بإزائه سواء تقدم هذا الوضع أو تأخر أو لم يوضع قط أو لم يكن لفظ الحكم متحققا فإن اللفظ مجاز عن المعنى لا عن اللفظ.
قوله: "ونحو لا يأكل" حلف لا يأكل من هذه الشجرة فإن نوى ما يحتمله الكلام فعلى ما نوى، وإلا فإن كانت الشجرة مما يأكل كالريباس فعلى الحقيقة، وإلا فإن كانت مثمرة كالنخلة فعلى ثمرتها، وإلا فعلى ثمنها كشجرة الخلاف، ولو حلف لا يشرب من هذه البئر فإن كانت ملأى فعلى الاغتراف عندهما، وعلى الكرع عنده، وإلا فعلى الاغتراف حتى لا يحنث بالكرع، وهو أن يتناول الماء بفيه من موضعه يقال كرع في الماء إذا أدخل فيه أكارعه بالخصوص فيه ليشرب، وأصل ذلك في الدابة لأنها لا تكاد تشرب الماء إلا بإدخال أكارعها فيه ثم قيل للإنسان كرع في الماء إذا شرب الماء بفيه أو لم يخص.
Page 172