Sharh Risala Nasiha
شرح الرسالة الناصحة بالأدلة الواضحة
Genres
[إبطال مذهب الثنوية في مسألة الإمتحانات]
فأما أهل النور والظلمة من الديصانية والمانوية فقد أطبقوا مع إختلافهم في فروع لهم في صفة الظلمة خاصة، على أن النور يفعل الخير بطبعه ولا يصح منه الشر أبدا، وأن الظلمة تفعل الشر بطبعها ولا يصح منها الخير أصلا، وهذا غفلة؛ لأن فاعل الخير لا يمتنع عليه فعل الشر شاهدا ولا غائبا ، ولسنا نحتج عليهم بالقرآن لأنهم ينكرونه، وإلا فقد صرح تعالى بذلك في قوله: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة}[الأنبياء:35]، وبقوله تعالى: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو}[الأنعام:17]، إلى غير ذلك.
وقد أجمع أهل هذه المقالات على اختلافهم أن ما يحصل في العالم من الأمراض والأسقام لا تضاف إلى الله -تعالى- بل يجب نفيها عنه، ولم يحملهم على هذه المذاهب الفاسدة الخارجة عن الإسلام إلا جهلهم بالله -سبحانه-، وإنكارهم للآخرة وما أعد فيها سبحانه للمطيعين والممتحنين، وأن ما نقص في الدنيا وزاد في الآخرة خير مما زاد في الدنيا ونقص في الآخرة، فلما جهلوا ذلك طلبوا لهذه الحوادث عللا، ونفوها عن الحكيم -تعالى-.
والذي يدل على بطلان قول أهل هذه المقالات جميعا: أن هذه الإمتحانات حوادث، والثاني: أنه لا بد للمحدث من محدث.
فالذي يدل على أنها حوادث: [أن([4])] لوجودها أولا، وذلك معنى المحدث بلا خلاف، أما أن لوجودها أول فذلك معلوم لنا بالمشاهدة في غيرنا، وبما نعلمه من نفوسنا؛ لأنا نعلم عند حصول الألم فينا وفي غيرنا حدوث أمر لم يكن، وهذا عام لجميع الإمتحانات.
والذي يدل على أن المحدث لا بد له من محدث: قد تقدم في إثبات الصانع -سبحانه- بما لا سبيل إلى دفعه فلا وجه لإعادته.
Page 156