بقطعة من الجص صورة على المنضدة ، فادرك من فوره أن هذا الصبي لم يخلق للدرس وتحصيل العلم ، بل خلقته يد القدرة للرسم ، فطلب منه أن يصطحب اباه إلى المدرسة في اليوم القادم ، ثم قال لوالد الصبي : إذا كان ولدك هذا كسولا في التعلم ، والتحصيل فانه يمتلك ذوقا رفيعا في الرسم ، ورغبة كبيرة في التصوير.
وقبل الوالد نصيحة المعلم هذه ولم يمض زمان طويل إلا وبرع الصبي وغدى قمة في هذا الفن ، بعد أن تابع هوايته بشغف وأكثر من ممارستها.
إن فترة الطفولة والصبا في حياة الأشخاص خير فرصة لأولياء الأطفال بأن يختبروا مواهب أبنائهم ، ويتعرفوا عليها من خلال تصرفاتهم ، وأفكارهم وردودهم ، لأن حركات الطفل وأقواله الجميلة والحلوة خير مرآة لما ينطوي عليه من مواهب وقابليات وصفات لوتوفرت لها ظروف التربية الصحيحة لأمكن الاستفادة منها على أفضل صورة ، وأحسن وجه.
إن مطالعة فاحصة لحياة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأقواله وأفعاله إلى وقت البعثة المباكرة توقفنا على صورة كاملة لشخصيته صلى الله عليه وآله وسلم وتوضح لنا أهدافه العليا ، على أن مطالعة صفحات الطفولة في حياته صلى الله عليه وآله وسلم فقط لا تكشف لنا عن مستقبله المشرق ، بل ان دراسة الصورة الاجمالية لحياته وتاريخه إلى يوم مبعثه الشريف ، وإعلانه عن نبوته وقيادته للمجتمع ، تخبرنا عن ذلك المستقبل العظيم ، وبالتالي عن هذه الحقيقة وهي ان هذه الشخصية خلقت لأي عمل ، وأن إدعاء الرسالة والقيادة له هل ينسجم مع سوابقه التاريخية أم لا؟؟
هل تؤيد تفاصيل حياته خلال أربعين سنة قبل الرسالة ، وهل تؤيد أفعاله واقواله ، وبالتالي : سلوكه مع الناس ومعاشرته الطويلة مع الآخرين رسالته أم لا؟؟
من هنا نعمد إلى عرض بعض الصفحات من حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ايامها وسنواتها الاولى.
Page 226