بلى، قال كل ذلك، ونوى كل ذلك، ولكن الحب الذي أوحى إليه كل ذلك قد فسد وانحل ومات، ولم يبق إلا أن يدفن! وأن يحمله إلى الدفن أبواه! وهما آخر من يود له الموت، ويخف به إلى ذلك المصير.
لو كانت المسألة قضية تنظر وحكما يصدر بعد نظرها لكان عجيبا أن تثبت القطيعة قبل ثبوت الخيانة، وأن تقع العقوبة قبل وضوح الجناية.
ولكن من هو القاضي هنا؟ ومن الجاني؟ ومن الفريسة؟ ومن صاحب الفصل وشارع القانون؟
هنا قضية لا تلمح فيها قاضيا حتى تراه جانيا وتراه فريسة وتراه مقضيا عليه، فلا حكم ولا براهين ولا شريعة! بل حادث من حوداث القدر ينقض كما تنقض الصاعقة، أو يشتعل كما تشتعل النار.
هنا عناصر طبيعية لا تسأل فيها ماذا تنوي وماذا تريد؟ بل تسأل فيها ماذا عملت بعد أن تعمل، كالذي يهرب من السيل ليقع في الهاوية، وكالذي يهرب من البركان ليقع في اللجة الزاخرة، وكالذي يهرب من النمر ليبتلعه التمساح، وكالذي يهرب من الرصاص لتنوشه الرياح، كل ما أنت قادر أن تجزم به هنا أنه لن يستطيع البقاء حيث كان ... وهل يستطيع البقاء حيث صار؟ كلا! ولا هنالك يستطيع البقاء.
فإذا سألت لماذا اعتزم همام القطيعة بعد أن كان يعتزم التربص والمطاولة، فليس سبيلك أن تعلم أنه آثر القطيعة وحمد مغبتها واستمرأ مذاقها، وإنما سبيلك أن تعلم أنه لا قرار على ما كان فيه، وأنه مدفوع إلى الهرب منه كما يندفع الهارب من النمر إلى التمساح. •••
في أيام الرقابة وبعدها بأسابيع قليلة تكررت الزيارات وتسابق همام وسارة في الاستزادة منها وهما يتكلفان، ولا يجهلان أنهما يتكلفان.
أجل، ما كانا يتمليانه من سويعات الهوى في تلك الأيام إنما كان بالقياس إلى هواهما الخصيب المطواع كالثمار المحفوظة في العلب بالقياس إلى الثمار على أشجارها بين غياضها وأنهارها.
ولم يكن همام يصور لحدسه كيف تشعر سارة بتلك السويعات المصطنعة، ولكنه هو كان يشعر شعورا لا يزال يعاوده ويبرز أمامه كلما جهد في تبديله والإشاحة عنه بخياله، كان يشعر كمن يلهو ويتلاهى على مقربة من جنازة وفي جوار مقبرة، فمن حيثما أقبل أو أعرض فهنالك ظلال الموت، وكآبة الفناء، وسوانح الأحزان.
ومن أعجب ما كان يتمثله وهو يداعبها ويعانقها ذات يوم سرير شيخ محتضر يتابع التدخين ولا يلقي بلفيفة إلا أومأ إلى من حوله في طلب لفيفة أخرى.
Unknown page