Sajinat Tihran
سجينة طهران: قصة نجاة امرأة داخل أحد السجون الإيرانية
Genres
قالت وهي تبكي: «لكن انظري ماذا حدث، فقد غدر به زملاؤه، أولئك الذين يفترض أن يقدموا له الحماية، أولئك الذين وثق بهم، ولا يوجد ما يمكننا القيام به الآن. لقد نجا في عهد الشاه وأثناء الحرب كي يلاقي حتفه بتلك الطريقة. كل ما يمكننا فعله الآن أن ننفذ أمنيته الأخيرة، وأعدك أننا سنفعل ذلك، وأؤكد لك أيضا أننا نعلم جيدا أن أكرام تدين لك بالفضل في إنجابها لهذا الطفل. علي الصغير هو معجزتنا، وهو أملنا الآن.»
وهنا قرع أحدهم الباب ودخلت أكرام حاملة عليا الصغير بين ذراعيها. كان قد كبر قليلا عما رأيته في المستشفى، وكانت له وجنتان متوردتان وعينان داكنتان واسعتان. إنه طفل جميل. حملته بين ذراعي وتذكرت طفلي، وشعرت بالامتنان لأنني حملته بين ذراعي، حتى وإن كان حلما. •••
بعد بضعة أيام اصطحبني السيد موسوي إلى مقبرة «بهشت زهرا» التي دفن فيها علي، وتقع جنوبي طهران بجوار الطريق السريع المؤدي إلى مدينة «قم» الشهيرة بالمدارس الدينية الإسلامية. رافقتنا أكرام، وجلست بجواري في المقعد الخلفي للسيارة، وطوال الطريق الذي استغرق ساعتين ظلت إحدانا تمسك يد الأخرى دون أن نتبادل كلمة واحدة. كان الطريق مظلما نظيفا يقسم الصحراء إلى نصفين، وكانت الأمطار قد هطلت في الليلة السابقة، لكن السماء صافية الآن. اتكأت برأسي على ظهر المقعد، وتركت أمواج الظلال والأضواء تغمرني. لقد فقدت أصدقاء وأحباء لي من قبل، لكن عليا لم يكن يشبه أيا منهم؛ لم يكن يشبه أيا ممن عرفتهم من قبل. لم يكن بوسعي تغيير ما فعله بي أو ما حدث بيننا. لكنه توفي بعدما بدأ يتغير ويتخلى عن هويته السابقة. لقد أزهقت العديد من الأرواح البريئة خلف أسوار «إيفين» ودفنت في قبور مجهولة، وكان علي مسئولا عن الفظائع التي ارتكبت هناك، ولكن الحقيقة أنه مات مظلوما، فقد قتله أولئك المتشددون لأنه أصبح مصدر تهديد لهم؛ لأنه حاول أن يغير الأوضاع إلى الأفضل؛ لأنه حاول التحرر من قيودهم.
عندما وصلنا إلى المقبرة لم أستطع أن أجمع شتات أفكاري، فقد أصبح العالم خليطا من الصور التي لا تربط بعضها ببعض صلة، لكنني استعدت انتباهي عندما أخبرتني أكرام أننا وصلنا إلى الناحية المخصصة للشهداء في المقبرة. كاد النهار ينتصف، وبالرغم من هبوب نسمات رقيقة باردة، كانت الشمس لافحة وأخذت أتصبب عرقا. تناثرت شجيرات صغيرة هنا وهناك، ولكن على امتداد البصر كانت الأرض مكسوة بشواهد قبور من الرخام والأسمنت وضعت أفقيا على القبور. أحاطت بنا النصب التذكارية المصنوعة من القصدير ذات النوافذ الزجاجية، وهي أضرحة للمتوفين. معظم من دفنوا هنا كانوا من ضحايا الحرب، ومعظمهم كانوا في سن صغيرة للغاية عند وفاتهم.
توقف السيد موسوي وأكرام أخيرا؛ لقد وصلنا إلى قبر علي. انحنى والده على ركبتيه ووضع يده على القبر، ثم أخذت كتفاه ترتجفان، وتساقطت دموعه على السطح الحجري اللامع حتى امتزجت بالكتابة المحفورة عليه:
السيد علي موسوي
جندي الإسلام الشجاع
21 أبريل 1954 إلى 26 سبتمبر 1983
وضعت أكرام يدها على كتف والدها وغطت وجهها بالشادور.
وداخل النصب التذكاري الذي شيد أمام القبر وضعت ثلاث صور لعلي. كان يبلغ من العمر في الصورة الأولى ثمانية أو تسعة أعوام ويقف مبتسما يضع قدمه اليمنى على كرة قدم ويديه على فخذيه. وفي الصورة الثانية كان في نحو السادسة عشرة تعلو وجهه لحية صغيرة وتبدو عليه علامات الجدية، أما في الصورة الثالثة فكان كما عرفته: رجلا ذا شعر داكن ولحية كثيفة مهذبة وأنف كبير وعينين داكنتين حزينتين. كانت بعض الورود الصناعية الحمراء قد ألصقت بالصور، وعلى كلا جانبي النصب التذكاري وضع أصيص من أزهار الأقحوان الحمراء. انهمرت دموعي بلا توقف، وجلست على الأرض المفروشة بالحصى بجوار القبر وتلوت «السلام الملائكي» عشرات المرات من أجله؛ من أجل زوجي؛ من أجل رجل مسلم دفن في «ساحة الشهداء». تمنيت لو أعفو عنه، ولكن العفو لا يأتي دفعة واحدة كهدية مغلفة بشريط أحمر؛ إنما يأتي تدريجيا. بالإضافة إلى ذلك فلن يمحو العفو عنه آثار الألم الذي سببه لي؛ سوف يلازمني هذا الألم ما حييت، لكن هذا العفو سيساعدني على أن أتسامى على الماضي وأواجه كل ما حدث. كان علي أن أصرفه عن ذهني كي أحرر نفسي من قيده.
Unknown page