مقدمات
مقدمة: أحمد بن فارس
...
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة: أحمد بن فارس ١
نشأته:
هو أبو الحسينِ أحمدُ بنُ فارِسَ بن زكريا بن محمد بن حبيب الرازي. ولد بقزوين٢ ونشأ بهمذان، ودرس بها وعليه اشتغل بديع الزمان الهمذاني صاحب المقامات، ثم دعاه فخر الدولة البويهي إلى الري ليؤدب ابنه مجد الدولة أبا طالب، فأقام بها قاطنًا، وممن تتلمذ عليه فيها الصاحب بن عباد، أما أساتذته وشيوخه الذين أخذ عنهم فكثيرون ومنهم أبو بكر أحمد بن الحسن الخطيب راوية ثعلب، وأبو الحسن عليُّ بنُ إبراهيم القَطَّان، وأبو عبد الله أحمد بن طاهر المنجم، وعلي بن عبد العزيز المكي، وأبو عبيد، وأبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني. أما علومه فكانت متنوعة شاملة ولا سيما اللغة التي أتقنها وأكثر من التأليف في فروعها المختلفة، وقد أحسن صنعة الشعر، وكان فقيهًا شافعيًّا ويناصر مذهب مالك بن أنس. أما طريقته في النحو فطريقة الكوفيين.
وكان ابن فارس جوادًا كريمًا لا يكاد يرد سائلا، حتى إنه كان يهب ثياب جسمه وفرش بيته.
١ ترجمته في: إنباه الرواة: ١/ ٢٩، نزهة الألباء: ٢١٩، دمية القصر: ٢٥٧، يتيمة الدهر: ٣/ ٤٠٢، معجم الأدباء: ١/ ٥٣٣، وفيات الأعيان: ١/ ١١٨، بغية الوعاة: ١/ ٣٥٢، تاريخ الأدب العربي بروكلمان: ٢/ ٢٦٥، الأعلام: ١/ ١٩٣.
٢ تاريخ الأدب العربي بروكلمان: ٢/ ٢٦٥.
1 / 5
توفي ابن فارس في الري سنة ٣٩٥هـ/ ١٠٠٥م، وقيل سنة ٣٩٦هـ، أو ٣٩٠هـ، أو ٣٩٦هـ، أو ٣٦٠هـ، وقد وجد ياقوت الحموي خط ابن فارس على كتاب الفصيح وقد كتبه سنة ٣٩١هـ١.
مؤلفاته:
إنها كثيرة، وتشمل اللغة والحديث والتفسير والأدب والفقه وقد أورد له ياقوت٢ طائفة من هذه التصانيف وهي على الشكل الآتي:
١- المجمل.
٢- متخير الألفاظ.
٣- فقه اللغة.
٤- غريب إعراب القرآن.
٥- تفسير أسماء النبي ﷺ.
٦- مقدمة كتاب دار العرب.
٧- حلية الفقهاء.
٨- كتاب العرق.
٩- مقدمة الفرائض.
١٠- ذخائر الكلمات.
١١- شرح رسالة الزهري إلى عبد الملك بن مروان.
١٢- كتاب الحجر.
١٣- سيرة النبي ﷺ.
١٤- الليل والنهار.
١٥- العم والخال.
١٦- أصول الفقه.
١٧- أخلاق النبي ﷺ.
١ معجم الأدباء: ١/ ٥٣٥.
٢ معجم البلدان: ١/ ٥٣٦.
1 / 6
١٨- كتاب الصاحبي١.
١٩- جامع التأويل في تفسير القرآن.
٢٠- الثياب والحلى.
٢١- خلق الإنسان.
٢٢- الحماسة المحدثة.
٢٣- مقاييس اللغة.
٢٤- كفاية المتعلمين في اختلاف النحويين.
ولكن بروكلمان أورد طائفة من الكتب تختلف عما ذكره ياقوت في بعض الأسماء وتتفق مع بعضها الآخر ولعله من المفيد أن أذكر ما جاء في تاريخ بروكلمان بتمامه٢:
١- المجمل في اللغة.
٢- فقه اللغة المسمى بالصاحبي.
٣- كتاب الثلاثة في الألفاظ المترادفة.
٤- ذم الخطأ في الشعر.
٥- نقد الشعر.
٦- مختصر سيرة رسول الله ﷺ.
٧- مقالة في أسماء أعضاء الإنسان.
٨- مقالة "كلا" وما جاء منه فِي كتاب الله تعالى.
٩- كتاب الفيروز.
١٠- كتاب اللامات.
١١- جزء من اليشكريات.
١٢- مقاييس اللغة.
١٣- الإتباع والمزاوجة.
١٤- قصص النهار وسحر الليل.
١٥- تمام فصيح الكلام.
١ هو كتاب فِي فقه اللغةِ، وقد قدمه ابن فارس إلى الصاحب بن عباد، وهو الكتاب الذي نقدمه.
٢ تاريخ الأدب العربي ٢/ ٢٦٥، وزاد السيوطي في بغية الوعاة كتابًا هو: الانتصار لثعلب.
1 / 7
١٦- كتاب المسائل أو فتيا فقه العرب.
١٧- رسالة أبي عمرو محمد بن سعيد الخطيب.
ومما تجدر الإشارة إليه أن ابن فارس كان يجيد نظم الشعر، ومن شعره١:
إذا كنت في حاجة مرسلا ... وأنت بها كلف مغرم
فأرسل حكيما ولا توصه ... وذاك الحكيم هو الدراهم
ومن شعره:
وقالوا كيف أنت فقلت خير ... تقضى حاجة ويفوت حاج
إذا ازدحمت هموم القلب قلنا ... عسى يومًا يكون لها انفراج
ومما قال في همذان:
سقى همذان الغيث لست بقائل ... سوى ذا وفي الأحشاء نار تضرم
ما لي لا أصفي الدعاء لبلدة ... أفدت بها نسيان ما كنت أعلم
نسيت الذي أحسنته غير أنني ... مدين وما في جوف بيتي درهم
ومن شعره:
اسمع مقالة ناصح ... جمع النصيحة والمقه
إياك واحذر أن تبيـ ... ـت من الثقات على ثقه
وقال قبل وفاته بيومين:
يَا ربّ إن ذنوبي قد أحطت بها ... علمًا وبي وبإعلاني وإسراري
أنا الموحد لكني المقر بها ... فهب ذنوبي لتوحيدي وإقراري
كتابه "الصاحبي":
هو كتاب فِي فقه اللغةِ، وقد سماه بالصاحبي نسبة إلى الصاحب بن عباد، وكان ابن فارس قدم الكتاب إليه وأودعه خزانته. أما مضمون الكتاب فيدور حول اللغة العربية، وأوليتها ومنشئها، ثم يبحث في أساليب العرب في تخاطبهم، وفي الحقيقة والمجاز. وقد بدأ الكتاب بباب قرر فيه أن اللغة توقيف وليست اصطلاحا، ثم ذهب في الأبواب التالية يدرس الظواهر اللغوية دراسة فلسفية،
١ معجم الأدباء: ١/ ٥٣٧.
1 / 8
فيبدأ بتفضيل العربية على ما سواها من اللغات، بعد ذلك مفصلا، مقارنًا بين اللغات مستشهدًا بالقرآن الكريم وبالشعر العربي، وبصور من كلام العرب، وينتقل بعد ذلك إلى دراسة المفردات اللغوية من حيث معانيها المختلفة وطرق استعمالها، وائتلافها واختلافها، فيفرق بين الاسمي منها والحرفي، ويبحث في أصول الأسماء، وما جرى مجراها من الصفات، كما يدرس الحروف المفردة من حيث المعاني ووجوه الاستعمال، والأفعال وأبنيتها إلى ما هناك من أبواب أخرى.
وللكتاب قيمة من حيث إنه أضاف إلى مكتبتنا العربية مصدرًا هامًّا من المصادر اللغوية، ولا يستغني عنه عام أو خاص، عالم أو متعلم، ومن هنا كانت عنايتنا بإعادة نشر هذا الكتاب، ولا سيما أنه كان قد نشر لأول مرة في القاهرة سنة ١٣٢٨هـ، وقد أعيد نشره بعد ذلك، ولكن ما وجدته في تلك النسخ كان يحتاج إلى الضبط والتحقيق، فقمت بضبط نصه، وتخريج آياته وأحاديثه، ونسبت الأقوال والأشعار إلى قائلها، ثم عرفت بالشعراء غير المعروفين، كما أنني فسرت ما رأيته ضروريًّا من غريب الألفاظ والأقوال، ولا أدعي فِي كلّ ذَلِكَ أنني بلغت الغاية، وحسبي أنني حاولت، والعذر إن كنت قد قصرت أو نسيت أو أخطأت.
والله من وراء القصد
أحمد حسن بسج
بيروت: ٢١ شعبان/ ١٤١٧هـ
الموافق ١/ ١/ ١٩٩٧م
1 / 9
بسم الله الرحمن الرحيم
خطبة الكتاب:
الحمد لله وبه نستعين، وصلّى الله تعالى عَلَى محمد وآله.
قال الشيخُ أبو الحسينِ أحمدُ بنُ فارِسَ أدام الله تأييده:
هَذَا الكتاب "الصاحبي" فِي فقه اللغةِ العربيةِ وسننِ العربِ فِي كلامها. وإنَّما عَنْوَنْتُه بهذا الاسم لأنّي لما أَلَّفْتُه أَوْدعْتُه خزانةَ الصَّاحبِ١ الجليل كافي الكفاة، عَمَرَ اللهُ عِراص العلم والأدب والخير والعدل بطول عمره، تَجمُّلًا بذلك وتحسُّنًا، إذ كَانَ يقبَلَه كافي الكفاة من علم وأدب مَرضِيًّا مقبولًا، وَمَا يَرْذُلُه أَوْ يَنفيه منفيًّا مَرْذولًا، ولأنّ أحسنَ مَا فِي كتابنا هَذَا مأخوذٌ عنه ومُفاد منه. فأقول:
إِن لعلم العرب أصلًا وفرعًا: أمَّا الفرعُ فمعرفة الأسماء والصفات كقولنا: "رجل" و"فرس" و"طويل" و"قصير". وهذا هو الَّذِي يُبدأ بِهِ عند التعلُّم.
وأمَّا الأصلُ فالقولُ عَلَى موضوع اللغة وأوَّليتها ومنشأها، ثُمَّ عَلَى رسوم العرب فِي مخاطبتها، وَمَا لَهَا من الافْتِنان تحقيقًا ومجازًا.
والنّاسُ فِي ذَلِكَ رجلانِ: رجلٌ شُغل بالفرع فلا يَعْرِف غيرَه، وآخَرُ جَمع الأمريْنِ معًا، وهذه هي الرُّتبة العليا، لأن بِهَا يُعلم خطابُ القرآن والسُّنة، وعليها يُعول أهلُ النَّظر والفُتيا، وذلك أن طالبَ العلم العُلويُ يكتفي من سماء "الطويل" باسم الطويل، ولا يَضِيرُه أن لا يعرف "الأشَقَّ"٢ و"الأَمقَّ"٣ وإن كَانَ فِي علم ذَلِكَ زيادةُ فَضل.
وإنَّما لَمْ يَضِره خفاءُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، لأنَّه لا يَكاد يجدُ منه فِي كتاب الله جل ثناؤه
١ هو الصاحب عباد وزير مؤيد الدولة أبي منصور بن بويه، وكانت له صحبة لأبي الفضل الوزير ابن العميد وأخذ عنه الأدب، توفي سنة ٣٨٥هـ/ ٩٩٥م.
٢ الأشق: من الخيل ما يشتق في عدوه يمينًا وشمالا، أو البعيد ما بين الفروج، والطويل.
٣ الأمق: من الخيل الطويل.
1 / 11
شيئًا فيُحْوَج إِلَى علمه؛ ويقل مثله أيضًا فِي ألفاظ رسول الله ﷺ إذ كَانَتْ ألفاظُه ﷺ هي السّهلة العَذْبَة.
ولو أنه لَمْ يَعْلم توسُّع العرب فِي مخاطباتها لَعَيَّ بكثير من علم مُحْكَم الكتاب والسنَّة، ألا تسمع قول الله جل ثناؤه: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ ١ إِلَى آخر الآية؟ فسِرُّ هَذِهِ الآية في نَطْقها لا يكون بمعرفةٍ غريب اللغة والوَحْشيِّ من الكلام، وإنَّما معرفته بغير ذَلِكَ مما لعلَّ كتابنا هَذَا يأتي عَلَى أكثره بعون الله تعالى.
والفرق بَيْنَ معرفة الفروع ومعرفة الأصول أن مُتَوسِّمًا بالأدب لو سُئل عن "الجَزْم والتسويد"٢ فِي علاج النوق، فتوقف أَوْ عيَّ بِهِ أَوْ لَمْ يعرفه، لَمْ ينقصه ذَلِكَ عند أهل المعرفة نقصًا شائنًا، لأن كلام العرب أكثر من أن يُحصى.
ولو قيل لَهُ: هل تتكلم العربُ فِي النّفي بما لا تتكلم بِهِ فِي الإثبات، ثُمَّ لَمْ يعلمه لنَقْصه ذَلِكَ فِي شريعة الأدب عند أهل الأدب، لا أنَّ ذَلِكَ يُرْدد دينه أَوْ يَجُرُّه لمأثم.
كما أن مُتوسِّمًا للنَّحو لو سُئل عن قول القائل:
لَهِنّكِ من عبْسية لوسيمة ... عَلَى هَنَوات كاذبٌ من يقولُها٣
فتوقَّف أَوْ فكَّر أَوْ استمْهل، لكان أمرُهُ فِي ذَلِكَ عند أهل الفضل هَيِّنًا، لكن لو قيل لَهُ مكان "لَهِنَّكِ" مَا أصل القَسم، وكم حروفه، وَمَا الحروفُ الخمسة المشبَّهة بالأفعال الَّتِي يكون الاسم بعدها منصوبًا وخبرُهُ مرفوعًا؟ فلم يُجب لَحَكِم عَلَيْهِ بأنَّه لَمْ يُشامَّ٤ صِناعةَ النحو قط. فهذا الفصلُ بَيْنَ الأمرين.
والذي جمعناه فِي مؤلَّفنا هَذَا مفرَّق فِي أصناف العلماء المتقدمين ﵃ وجزاهم عنا أفضل الجزاء. وإنَّما لَنَا فِيهِ اختصارُ مبسوط أَوْ بسطُ مختصرٍ أَوْ شرحُ مشْكلٍ أَوْ جمعُ متفرقٍ.
فأوَّل ذلك:
١ سورة الأنعام: ٥٢.
٢ التسويد: دق المسح البالي ليداوى به أدبار الإبل والجزم: ما يحشى به حياء الناقة.
٣ البيت في لسان العرب، مادة "هنا" دون نسبة. والهنوات: جمع الهنات وهي الداهية.
٤ يشام: من الشم، وقولك: تشاما: شم أحدهما الآخر، وأشم الحروف: أذاقها الضمة أو الكسرة. وأراد أنه لَمْ يعرف صناعة النحو.
1 / 12
باب القول على لغة العرب: أتوقيف، أم اصطلاح؟
أقول: إِن لغة العرب توقيف. ودليل ذَلِكَ قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ ١ فكان ابن عبّاس يقول: علّمه الأسماء كلّها وهي هَذِهِ الَّتِي يتعارَفُها الناس من: دابة، وأرض، وسهل، وجبل، وحمار، وأشباه ذَلِكَ من الأمم وغيرها.
وروى خُصَيْف عن مُجاهد قال: علمه اسم كلّ شيء.
وقال غيرهما: إنما علَّمه أسماء الملائكة.
وقال آخرون: علّمه ذرّيته أجمعين.
والذي نذهب إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ مَا ذكرناه عن ابن عباس. فإن قال قائل: لَوْ كَانَ ذَلِكَ كما تذهب إِلَيْهِ لقال: "ثُمَّ عرضهن أَوْ عرضها" فلما قال "عرضهم" عُلم أن ذَلِكَ لأعيان بني آدمَ أَوْ الملائكة، لأن موضوع الكناية فِي كلام العرب يُقال لما يَعقِل "عرضهم" ولما لا يعقل "عرضها أَوْ عرضهن" قيل لَهُ: إنما قال ذَلِكَ والله أعلم لأنه جَمع مَا يَعقل وَمَا لا يعقل فغلَّب مَا يعقل، وهي سنّة من سنن العرب، أعني باب التغليب. وذلك كقوله جل ثناؤه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ ٢ فقال: ﴿مِنْهُمْ﴾ تغليبًا لمن يمشي عَلَى رجلين وهم بنو آدم.
فإن قال: أفتقولون فِي قولنا: سيف، وحُسام، وعَضب٣ إِلَى غير ذَلِكَ من أوصافه أنه توقيف حَتَّى لا يكون شيء منه مُصْطَلَحًا عَلَيْهِ؟ قيل لَهُ: كذلك نقول
١ سورة البقرة، الآية: ٣١.
٢ سورة النور، الآية: ٤٥.
٣ العضب: السيف القاطع.
1 / 13
والدليل عَلَى صِحَّة مَا نذهب إِلَيْهِ إجماعُ العلماء عَلَى احتجاج بلغة القوم فيما يختلفون فِيهِ أَوْ يتفقون عَلَيْهِ، ثُمَّ احتجاجهم بأشعارهم، ولو كَانَتْ اللغة مُواضَعَةً واصطلاحًا لَمْ يكن أولئك فِي الاحتجاج بهم بأولى منا فِي الاحتجاج لَوْ اصطلحنا عَلَى لغة اليوم ولا فرق.
ولعلَّ ظانًا يظن أن اللغة الَّتِي دلَلنا عَلَى أنها توقيف إنما جاءت جملة واحدة وَفِي زمان واحد. وَلَيْسَ الأمر كذا، بل وقّف الله جلَّ وعزَّ آدمَ ﵇ عَلَى مَا شاء أن يعلمه إياه مما احتاج إِلَى علمه فِي زمانه، وانتشر من ذَلِكَ مَا شاء الله، ثُمَّ علَّم بعد آدم ﵇ من عرَب الأنبياء صلوات الله عليهم نبيًا نبيًا مَا شاء أن يعلمه، حَتَّى انتهى الأمر إِلَى نبيّنا محمد ﷺ، فآتاه الله جلَّ وعزَّ من ذَلِكَ مَا لَمْ يؤته أحدًا قبله، تمامًا عَلَى مَا أحسنَه من اللغة المتقدمة. ثُمَّ قر الأمر قراره فلا نعلم لغة من بعده حدثت.
فإن تعمَّل١ اليوم لذلك متعمِّل وجد من نُقَّاد العلم من ينفيه ويُرده.
ولقد بلغنا عن أبي الأسود٢ أن أمرًا كلمه ببعض مَا أنكره أبو الأسود فسأله أبو الأسود عنه فقال: "هَذِهِ لغة لَمْ تبلغك" فقال لَهُ: "يَا ابن أخي لا خير لَكَ فيما لَمْ يبلغني" فعرَّفه بلطف أن الذي تكلم بِهِ مختلَق.
وخلةٌ٣ أخرى أنه لَمْ يبلغنا أن قومًا من العرب فِي زمانٍ يُقارب زمانَه أجمعوا عَلَى تسمية شيء من الأشياء مصطلِحِين عَلَيْهِ، فكنا نَستدِل بذلك عَلَى اصطلاح كَانَ قبلهم.
وقد كَانَ فِي الصحابة رضي الله تعالى عنهم -وهم البُلغاء والفُصحاء- النظر فِي العلوم الشريفة مَا لا خفاء بِهِ. وَمَا علِمناهم اصطلحوا عَلَى اختراع لغةٍ أَوْ إحداث لفظةٍ لَمْ تتقدمهم.
١ تعمل: أي تكلف العمل.
٢ هو أبو الأسود الدؤلي، أول من اشتغل بعلم النحو بأمر من الإمام عليَّ ﵁، مات سنة ١٠هـ.
٣ الخلة: الثقبة الصغيرة.
1 / 14
باب القول عَلَى الخط العربي وأول من كتب بِهِ:
يُروى أن أول من كتب الكتاب العربيَّ والسّريانيّ والكُتُب كلها آدم ﵇، قبل موته بثلاثمائة سنة، كتبها فِي طين وطبخه. فلما أصاب الأرضَ الغرق وجد كلُّ قوم كتابًا فكتبوه، فأصاب إسماعيلُ ﵇ الكتابَ العربيّ.
وكان ابنُ عباس يقول: "أوّلُ من وضع الكتاب العربيّ إسماعِيلُ ﵇، وضعه عَلَى لفظه ومَنْطِقه".
والرواياتُ فِي هَذَا الباب تكثر وتختلف.
والذي نقوله فِيهِ: إن الخطّ توقيف، وذلك لِظاهِر قوله ﷿: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ١ وقال جلَّ ثناؤه: ﴿وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ ٢ وإذا كَانَ كذا فليس ببعيد أن يوَقِّفَ آدمَ ﵇ أن غيرَه من الأنبياء ﵈ عَلَى الكتاب.
فأما أن يكون مُخْتَرَع اخترعه من تِلْقاءِ نفسه، فشيءٌ لا تَعْلم صِحته إِلاَّ من خبر صحيح.
وزعم قوم أن العرب العاربة٣ لَمْ تعرف هَذِهِ الحروف بأسمائها، وأنهم لَمْ يعرفوا نحوًا ولا إعرابًا ولا رفعًا ولا نصبًا ولا همزًا. قالوا والدليل عَلَى ذَلِكَ مَا حكاه بعضهم عن بعض الأعراب أنه قيل لَهُ: أتهمز إسرائيل؟ فقال: "إني إذن لَرَجُل سوء! " قالوا: وإنّما قال ذَلِكَ لأنه لَمْ يعرف من الهمز إِلاَّ الضغط والعصر. وقيل لآخر: أتجرُّ فلسطين؟ فقال: "إني إذن لقويٌّ! ". قالوا: وسُمع بعض فصحاء العرب يُنشد:
نحن بني عَلْقمةَ الأخيارا
١ سورة العلق: الآية ١-٥.
٢ سورة القلم، الآية: ١.
٣ العرب العاربة: العرب الصرحاء.
1 / 15