Sacd Zaghlul Zacim Thawra
سعد زغلول زعيم الثورة
Genres
وعلم اللورد اللنبي أن أمنيته المرقوبة قد حانت آخر الأمر؛ فاحتفى ما شاء بمظاهر التخويف والتشفي والإرهاب، وذهب في ركب يتقدمه مئات من حاملي الرماح إلى مجلس الوزراء، وأعلن وصوله بنفخ الأبواق وقعقعة السلاح، فلم يتمالك سعد - كعادته - أن يلمح الجانب المضحك من هذه المبالغة في استغلال فاجعة أليمة، وقال واللورد اللنبي يدخل عليه: «ماذا؟ هل أعلنت الحرب؟!»
أما جواب الحكومة المصرية على الإنذار، فقد قبلت فيه ما له علاقة بالجريمة كالاعتذار ودفع التعويض واقتفاء أثر الجناة ومنع المظاهرات المخلة بالنظام، ولم تقبل ما عدا ذلك من المطالب التي لا علاقة لها بسبب الإنذار، فما هي إلا ساعات حتى أخذت البلاغات تتعاقب من اللورد اللنبي بأنه أمر حكومة السودان أن تسرح الضباط المصريين، وأن تطلق يدها في زراعة الجزيرة، وأنه سيتخذ ما شاء لحماية الأجانب، وأنه سيحتل الجمارك، ويتبع ذلك بضروب أخرى من النذر والقوارع.
وكانت الوزارة قد رفعت استقالتها إلى جلالة الملك، فلما تعاقبت هذه التبليغات كتبت إلى جلالته عريضة تقول فيها إنها «إزاء هذه التعديات المتتالية المضرة بالبلاد، لا يسع الوزارة إلا أن تلح على جلالتكم بأن تتفضل بالإسراع في قبول الاستقالة؛ لأنه ربما كان في هذه الاستقالة وفي قبولها ما يقي شر الأضرار المتوالية»، فقبل جلالته الاستقالة، وأعلن سعد في المجلسين قبولها، وعقب على ذلك بقوله: «كذلك أصرح لكم أنا وزملائي بأننا مستعدون بكل إخلاص لأن نؤيد في مجلس النواب الذي نحن أعضاء فيه كل وزارة تشتغل لمصلحة البلاد، ليس فينا عاطفة معارضة إلا فيما يختص بالمصلحة العامة، فإننا نخدم هذه المصلحة ونؤيد كل من يؤيد هذه المصلحة.»
وبذلك تم للسياسة البريطانية ما أرادته من إقصاء سعد، وإن لم يتم لها ما هو أفضل لديها من الاستقالة العاجلة، وهو قبول المطالب ثم معاودة الإحراج لإقصائه بعد حين.
وإن الإنسان لا يدري بعد ذلك هل تعتبر السياسة الاستعمارية هذه الحوادث من المصادفات السعيدة أو من الفواجع المحذورة؟!
فمقتل غردون في الخرطوم - وإنما قتل ؛ لأن الإنجليز القابضين على الحكومة المصرية لم يبادروا إلى إنقاذه - قد أكسب السياسة الاستعمارية نصف السودان وهو القطر الذي يعدل القارات في الاتساع وخصوبة الموارد، ولا تنال الدول مثله إلا بسفك دماء العشرات من القواد وعشرات الألوف من الجنود.
وقالت السياسة الاستعمارية يومئذ إنها لا تشارك مصر في السودان؛ لأنها تدعي حقا في ملكه أو السيادة عليه، ولكنها تريد هذه الشركة توسلا بها إلى منع سريان الامتيازات الأجنبية عليه، وهي تسري على كل قطر تابع للدولة العثمانية، وقد يكون في سريانها على السودان تعطيل لإصلاحه، وتقييد لحرية المصريين في حكمه ... وفيما عدا ذلك لا مطمع للدولة البريطانية في الحكم ولا في الاستغلال.
وباسم مصر وحقها احتجت إنجلترا على فرنسا حين احتل القائد مرشان «فاشودة»؛ لأن التعليمات قد صدرت «بتوطيد السلطة المصرية على ذلك الإقليم».
وباسم مصر وحقها دفعت الخزانة المصرية أكثر من عشرين مليونا من الجنيهات لتعمير السودان وحراسته وتحصينه وتسديد العجز في موارده!
ثم جاء مقتل لي ستاك بعد مقتل غردون بنحو أربعين سنة؛ فضيع على مصر كل ما بذلته من مالها ودمها في العصور القديمة والحديثة، ونقل ذلك حلالا زلالا سائغا إلى أيدي السياسة الاستعمارية تتخذه ذريعة إلى زرع ما تشاء من الأرض، وإقصاء جميع الموظفين المصريين، وطرد الجيش المصري كله، مع تكليف الخزانة المصرية سبعمائة وخمسين ألف جنيه للدفاع عن السودان!
Unknown page