في الحياة الاجتماعية، فكلما دققنا في ملاحظة أخلاق الناس وظروفهم، التي لا يمكن معرفتها على نحو أفضل إلا بملاحظة أفعالهم، وكلما عرفناها على نحو أفضل، ازددنا اكتسابا للحكمة التي تتيح لنا أن نعيش بينهم، وعرفنا على نحو أفضل كيف نكيف أفعالنا وحياتنا حسب طبيعتهم بمقدار ما يقتضيه العقل. (3)
إن هذا القانون الإلهي الطبيعي لا يقتضي إقامة الشعائر والطقوس، أي تلك الأفعال التي لا تعني شيئا في ذاتها، ولا تعتبر خيرة إلا من حيث دخولها في نظام، أو التي ترمز
13
لخير ضروري للخلاص، أو إن شئنا قلنا: إن هذا القانون الإلهي الطبيعي لا يتطلب أفعالا يتعدى تبريرها حدود الفهم الإنساني. والواقع أن النور الفطري لا يتطلب شيئا لا يبلغه هذا النور نفسه، وكل ما يحتاج إليه هو ما يمكنه أن يعرفنا إياه بوضوح تام بوصفه خيرا، أي بوصفه وسيلة نحصل بها على سعادتنا. على أن الأشياء التي لا تصبح خيرة إلا بالأوامر والنظم، أو لا تصبح خيرة إلا لأنها ترمز لخيرها، هذه الأشياء لا تستطيع أن تضيف كمالا إلى أذهاننا؛ فهي ليست إلا مجرد ظلال، ولا يمكننا أن نعدها بين الأفعال التي تتولد عن الذهن والتي هي بمثابة ثمار نفس صافية، وهذا أمر لا حاجة لنا إلى الإطالة في بيانه. (4)
وأخيرا، فإن أعظم جزاء يعطيه القانون الإلهي هو معرفة هذا القانون نفسه، أي معرفة الله وحبه باعتبارنا موجودات حرة حقا، تتمتع بنفس صافية وثابتة، على حين أن العقاب إنما يكون في حرماننا من هذه الخيرات ووقوعنا في عبودية الجسد، أي تكون أنفسنا متغيرة متقلبة.
وبعد هذه الملحوظات نستطيع أن نبحث المسائل الآتية: (1)
هل نستطيع بالنور الفطري تصور الله كمشرع أو كأمير يسن القوانين للبشر؟ (2)
ماذا يقول الكتاب المقدس بشأن هذا النور وهذا القانون الطبيعي؟ (3)
ما هي الغاية التي استهدفت فيما مضى من فرض الشعائر الدينية؟ (4)
وأخيرا، ما الفائدة من معرفة الروايات المقدسة والتصديق بها؟ وسأعالج الموضوعين الأولين في هذا الفصل والموضوعين التاليين في الفصل القادم.
Unknown page