87

و«الهلباوي» الذي تدل عليها هاتان النادرتان هو «الهلباوي» الذي عرفه الناس طوال حياته، ويمكنك أن تلخصه في عبارة واحدة، وهي أنه - رحمه الله - كان «ذلاقة لسان، لا تطيق نفسها، ولا تريح صاحبها».

ومن هذه الذلاقة المتعجلة، كان يؤخذ على «الهلباوي» كل ما هو مأخوذ عليه. •••

سمعنا عنه قبل أن نراه، أو نسمع عنه ممن رآه.

كان أشهر المحامين بين الفلاحين بلا استثناء، وكان من آيات شهرته أنها دخلت في «النكتة المصرية»؛ فكان الذين يساومون القصابين في شراء لسان الذبيحة يقولون إذا اشتط عليهم القصاب في الثمن: والله ولا لسان الهلباوي!

وسمعنا بشهرته كاتبا كما سمعنا بشهرته محاميا، فكان عنوان مقالاته «إلى أي طريق نحن مسوقون؟» يتردد على كل لسان، وكنا نسمع به وإن لم نقرأ تلك المقالات.

ثم أدركته آفة التعجل وقلة الاستقرار، فتحول في الوطنية إلى خطة «الاعتدال» وفسر الاعتدال بمصانعة الاحتلال.

ثم كانت الطامة الكبرى، ونعني بها قضية «دنشواي» التي وقف فيها موقفا ظل نادما عليه طول حياته.

وعن قضية «دنشواي» قلت في كتابي «سعد زغلول»: لقد كنا أربعة نقرأ وصف التنفيذ في «أسوان»، فأغمي على واحد منا ولم نستطع إتمام القراءة إلا بصوت متهدج تخنقه العبرات .

ويستطيع القارئ إذن أن يتخيل مبلغ السخط الذي أثارته في نفوسنا رؤية «الهلباوي» أمامنا وجها لوجه في دار الجريدة، يوم ألقى الأستاذ «لطفي السيد بك» خطابه الذي أشرنا إليه في الكلام عن صاحب «المؤيد».

لقد كان اغتباطي شديدا بما أصابه من الأذى في ذلك اليوم، ولكني أقول إنصافا له إننا رأينا في الرجل شجاعة لم نرها في غيره من المقصودين بالهتاف العدائي ذلك المساء؛ فقد أوى بعضهم إلى حجرات الدار حتى اطمأن إلى انصراف الجمهور الغاضب، وأبى «الهلباوي» إلا أن يقتحم الجمع خارجا من الدار في إبان الهياج، ولم يحفل بما تعرض له في طريقه من اللكم والإيذاء.

Unknown page