Richard Feynmann
ريتشارد فاينمان: حياته في العلم
Genres
وبالطبع أنجز فاينمان ما هو أكثر من ذلك. فباستخدام صيغة تكامل المسارات التي ابتكرها، استطاع حساب طاقة الحالات المستثارة، التي سماها لانداو «روتونات»، بتنويع جميع التخمينات المعقولة لدوال الموجة وحساب حالة أدنى طاقة. كانت التقديرات فجة ولم تتوافق في بادئ الأمر مع البيانات المتوافرة بصورة مرضية، ولكن على مدار ذلك العقد، نقح فاينمان تحليله وتوصل لتنبؤات اتفقت مع البيانات.
قبل أن يبدأ فاينمان أبحاثه على الهيليوم السائل، كان لاسلو تيسا - الذي تعرفت عليه فيما بعد باعتباره أستاذا جامعيا متقاعدا مرحا، في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا - قد اقترح ما سماه «نموذج المائعين» لوصف كيف يمكن أن يحدث التحول بين حالة الهيليوم السائل فائق الميوعة والسائل العادي. وبعدها وسع لانداو الفكرة. لقد تخيل أنه عند درجة حرارة الصفر المطلق، يكون الهيليوم السائل بأكمله في حالة ميوعة فائقة. وبعد ذلك ومع تسخين السائل، تخلق بعض الاستثارات فتتحرك في خلفية مشهد المائع الفائق، لكنها من الممكن أن تصطدم بالجدران وتشتت الطاقة، ومن ثم تعمل وكأنها مكون من السائل الطبيعي. ومع مزيد من التسخين للمنظومة، تخلق المزيد من الاستثارات إلى أن يملأ السائل الطبيعي السعة بأكملها.
مرة أخرى أعادت تقديرات فاينمان الكمية المعتمدة على المبادئ الأولى إنتاج الصورة الفيزيائية العامة، لكن الأمر استغرق منه اثنين وثلاثين عاما حتى تمكن من إجراء حسابات تفصيلية بشكل كاف لتحقيق توافق جيد مع البيانات. ففي عام 1985، وباستخدام جهاز كمبيوتر فائق في إجراء حسابات تكامل المسارات التفصيلية التي كان فاينمان قد أجراها على نحو تقريبي، استطاع الفيزيائيون التحقق من أن هذه الطريقة يمكنها تحقيق توافق ممتاز مع الطبيعة التفصيلية لانتقال الهيليوم السائل بين الطور المائع العادي والمائع الفائق.
لكن لعل أكثر الحيل الفيزيائية التي ابتكرها فاينمان إبهارا كانت تلك المتعلقة بحل المشكلة الآتية: ماذا سيحدث لدلو من الهيليوم فائق الميوعة لو أن شخصا ما أداره؟ كما هي الحال مع كثير من مشكلات الفيزياء، قد لا تبدو تلك مسألة ملحة، إلى أن تبدأ التفكير فيها. أوضح فاينمان أنه بسبب طبيعة الحالة القاعية للطاقة والطاقة المطلوبة لخلق حالات الاستثارة التي تعلوها، لا بد أن تكون حالة السائل فائق الميوعة «غير قابلة للتدوير»، وهو ما يعني أنه لا يمكن أن تتكون دوامات قد تعوق تدفق التيار. ولكن ما الذي يمكن أن يحدث لو أننا جعلنا السائل بأكمله يدور بأن أدرنا الوعاء الذي يحتويه؟ استنبط فاينمان ما يمكن أن يحدث، ولم تكن لديه أدنى فكرة في ذلك الوقت أن عالم الكيمياء الأمريكي المولود في النرويج لارس أونساجر، الفائز بجائزة نوبل، اقترح هو أيضا حلا مماثلا. ومرة أخرى، لعبت قواعد ميكانيكا الكم دورا رئيسيا في هذه المسألة.
تذكر أن نيلز بور نفسه كان هو البادئ بإشعال ثورة الكم عندما افترض أنه مع دوران الإلكترون حول الذرة، لا يكون متاحا له سوى مستويات طاقة معينة. وهكذا تكون الطاقات مكممة. ولكن المبدأ الذي حدد قاعدة التكميم مشتق بالفعل من الزخم الزاوي المداري للإلكترون حول الذرة. افترض بور أن هذا الزخم الزاوي مكمم من حيث مضاعفات أصغر وحدة (وهي نفس الوحدة التي وصفتها من قبل للإلكترونات، وفيها يساوي الزخم الزاوي المغزلي 1/ 2).
ولو أن المائع الفائق محكوم أيضا بميكانيكا الكم، فإن زخمه الزاوي المداري - لو أننا أرغمناه على الدوران - سيكون مكمما أيضا في ضوء نفس الوحدة الأساسية. وسوف يعني ذلك وجود قيمة دنيا للدوران.
أجهد فاينمان فكره طويلا بشأن كيفية تقليل الطاقة في سائل كهذا إلى الحد الأدنى، وتوصل في النهاية إلى صورة فيزيائية لا يدور فيها السائل ككل، وإنما تدور العديد من المناطق الصغيرة به - أصغر ما يمكن في حقيقة الأمر، بحيث لا يزيد عرضها على عدة ذرات - حول منطقتها المركزية. وتلك المناطق المركزية تصطف رأسيا لتشكل خطوطا دوامية دوارة، مثل الأقماع التي يصنعها الإعصار، أو المياه الدوارة حول فتحة صرف المياه (حسب تعبير فاينمان). تلك الخطوط الدوامية توزع نفسها في أرجاء الخلفية، المكونة من سائل لا يدور، بكثافة متسقة متساوية في جميع الأنحاء.
أتاح التفكير في الدوامات لفاينمان تقدير العديد من أوجه سلوك الهيليوم السائل، ومن بينها كيفية حدوث المقاومة أثناء إنتاج الاستثارات الدوامية. إن تلك الدوامات تلتف وتتشابك بعضها مع بعض أثناء انسياب السائل، وعند سرعة أصغر بمائة مرة من السرعة التي يمكن أن يتخيلها المرء، تتعرض الميوعة الفائقة للتدمير.
أنتج خيال فاينمان الخلاق في نهاية الأمر صورة فيزيائية بحتة لروتونات لانداو؛ تلك الاستثارات الموضعية ذات أدنى طاقة. وأدرك فاينمان أن الدوامة لا تصطف باستقامة بالضرورة من قمة الوعاء إلى قاعه، وإنما من الممكن أيضا أن تلتف على نفسها في شكل حلقي. لقد فكر في حلقات الدخان التي كان قد درسها وهو طالب بالمدرسة الثانوية، وأدرك أنه ربما كانت نسخة الكم لأصغر حلقة من تلك الحلقات من الذرات التي من الممكن أن توجد داخل السائل تصف الروتون، ومنها اشتق فاينمان خصائصها. وبينما كان يفكر في الرياضيات في رأسه ويحاول حل المعادلات ليعرف كيف يمكنه التوفيق بين الصورة البديهية لحلقة الدخان وبين رياضيات معادلة شرودينجر، توصل في النهاية إلى صورة أخرى فيزيائية تماما: صورة حلقة مستمرة من أطفال المدرسة ينزلقون واحدا تلو الآخر على زحلوقة، ثم يعودون مرة أخرى ببطء كي يرتقوا السلم ثم ينزلقوا لأسفل مرة أخرى. قد يكون الروتون منطقة موضعية يتحرك السائل فيها بسرعة مختلفة مقارنة بالسائل المحيط في الخلفية، ولكن كي تبقى خصائص الزخم الزاوي لميكانيكا الكم قائمة، يجب أن ينساب السائل عائدا مرة أخرى إلى مكان آخر، مثل الدوامة. وبالتفافها على نفسها على هيئة حلقة، سوف تنكمش الدوامة إلى أن تحمل أقل طاقة ممكنة، وهي طاقة الروتون.
كل تلك التأملات مسلية، ولكن الأمر بالغ الأهمية بشأنها هو أنها غيرت مرة أخرى الأسلوب الذي كان فيزيائيو هذا المجال يفكرون به في المسألة. أدت تخمينات فاينمان الحدسية بشأن «دوال الموجة الاختبارية» - التي تمكن من تنويعها ليستكشف أيها ذات أقل طاقة - إلى ترسيخ استخدام ما يسمى «الأسلوب التنويعي» في فيزياء المواد الكثيفة، وهو الأسلوب الذي استخدم لاحقا في تناول كافة المشكلات الرئيسية البارزة تقريبا في دراسة المادة خلال نصف القرن الأخير.
Unknown page