Rasail
رسائل الجاحظ: وهي رسائل منتقاة من كتب للجاحظ لم تنشر قبل الآن
Genres
منقوصا في رأيه مضرا في اختياره، ولا يجوز أن يقول هذا أحد من أهل الإسلام، وكلهم مجمعون على أن الرسول
صلى الله عليه وسلم
عمل الصواب وأحسن في الاختيار. ثم في ذلك إذا تأمل المتأمل وجوه من الفضل:
منها أنه وإن كان عنده في موضع الثقة، فإنه غير مأمون عليه ألا يضبط السر فيفسد التدبير بإفشائه تلك الليلة إلى من يلقاه من الأعداء.
ومنها أنه وإن كان ضابطا للسر ثقة عند من اختاره، فغير مأمون عليه الجبن عند مفاجأة المكروه ومباشرة الأهوال، فيفر من الفراش فيفطن لموضع الحيلة ويطلب رسول الله
صلى الله عليه وسلم
فيظفر به.
ومنها أنه وإن كان ثقة ضابطا للسر شجاعا نجدا، فلعله غير محتمل للمبيت على الفراش؛ لأن هذا أمر خارج عن الشجاعة إذ كان قد أقامه مقام المكتوف الممنوع، بل هو أشد مشقة من المكتوف الممنوع؛ لأن المكتوف الممنوع يعلم من نفسه أنه لا سبيل له إلى الهرب، وهذا يجد السبيل إلى الهرب وإلى الدفع عن نفسه ولا يهرب ولا يدافع.
ومنها أنه وإن كان ثقة عنده ضابطا للسر شجاعا محتملا للمبيت على الفراش، فإنه غير مأمون أن يذهب صبره عند العقوبة الواقعة والعذاب النازل بساحته حتى يبوح بما عنده ويصير إلى الإقرار بما يعلمه، وهو أنه أخذ طريق كذا، فيطلب فيؤخذ.
فلهذا قال علماء المسلمين: إن فضيلة علي تلك الليلة لا نعلم أحدا من البشر نال مثلها إلا ما كان من إسحق وإبراهيم عند استسلامه للذبح. ولولا أن الأنبياء لا يفضلهم غيرهم لقلنا إن محنة علي أعظم؛ لأنه قد روي أن إسحق تلكأ لما أمره أن يضطجع وبكى على نفسه، وقد كان أبوه يعلم أن عنده في ذلك وقفة؛ ولذلك قال له: فانظر ماذا ترى. وحال علي بخلاف ذلك لأنه ما تلكأ ولا تمنع ولا تغير لونه ولا اضطربت أعضاؤه. ولقد كان أصحاب النبي
Unknown page