Rasail
رسائل الجاحظ: وهي رسائل منتقاة من كتب للجاحظ لم تنشر قبل الآن
Genres
فصل منه : واعلم أن لأكثر الشعر ظعنا وحظوظا، كالبيت يحظى ويسير حتى يحظى صاحبه بحظه، وغيره من الشعر أجود منه. وكالمثل يحظى ويسير وغيره من الأمثال أجود. وما ضاع من كلام الناس وضل أكثر مما حفظ وحكي. واعتبر ذلك من نفسك وصديقك وجليسك. وأمر الأسباب عجيب، ومن ذلك قتل علي بن أبي طالب من السادة والقادة والحماة ما عسى لو ذكرته لاستكبرته واستعظمته، فأضرب الناس عن ذكرهم وجهلت العوام مواضعهم وأخذوا في ذكر عمرو بن عبد ود فرفعوه فوق كل فارس مشهور وقائد مذكور. وقد قرأت على العلماء كتاب الفجار الأول والثاني والثالث وأمر المطيبين والأحلاف ومقبل أبي أزيهر ومجيء الفيل وكل يوم جمع كان لقريش فما سمعت لعمرو هذا في شيء من ذلك ذكرا.
فإن قلت: إن نبل القاتل زيادة في نبل المقتول، فكل من قتله علي بن أبي طالب رضوان الله تعالى عليه أنبل منه وأحق بالشهرة، ولكن أشعار ابن ود ومناقلة الصبيان في الكتاب هما اللتان أورثتاه ما ترى وتسمع.
فصل منه في أمر الأخبار : وإنما ذكرت هذا لتعلم أن الخبر قد يكون أصله ضعيفا ثم يعود قويا ويكون أصله قويا فيعود ضعيفا، للذي يعتريه من الأسباب ويحل به من الأعراض من لدن مخرجه وفصوله إلى أن يبلغ مدته ومنتهى أجله وغاية التدبير فيه والمصلحة عليه. فلما كان هذا مخوفا وكان غير مأمون على المتقادم منه، وضع الله تعالى لنا على رأس كل فترة علامة، وعلى غاية كل مدة أمارة، ليعيد قوة الخبر ويجدد ما قد هم بالدروس من أنباء المرسلين عليهم الصلاة والسلام أجمعين؛ لأن نوحا عليه السلام هو الذي جدد الأخبار التي كانت في الدهر الذي بينه وبين آدم عليه السلام حتى منعها الخلل وحماها النقصان بالشواهد الصادقة والأمارات القائمة. وليس أن أخبارهم وحججهم قد كانت درست وأخلت! بل حين همت بذلك وكادت، بعثه الله عز وجل بآياته لئلا تخلو الأرض من حججه؛ ولذلك سموا آخر الدهر الفترة، وبين الفترة والقطعة فرق، فاعرف ذلك. ثم بعث الله عز وجل إبراهيم عليه السلام على رأس الفترة الثانية التي كانت بينه وبين دهر نوح، وإنما جعلها الله تعالى أطول فترة كانت في الأرض لأن نوحا كان لبث في قومه يحتج ويخبر ويؤكد ويبين ألف سنة إلا خمسين عاما، ولأن آخر آياته كانت أعظم الآيات وهي الطوفان الذي أغرق الله تعالى به جميع أهل الأرض، غيره وغير شيعته، وإنما فار الماء من جوف تنور ليكون أعجب للآية وأشهر للقصة وأثبت للحجة. ثم ما زالت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بعضهم على أثر بعض في الدهر الذي بين إبراهيم وبين عيسى عليهما السلام، فلترادف حججهم وتظاهر أعلامهم وكثرة أخبارهم واستفاضة أمورهم ولشدة ما تأكد ذلك في القلوب ورسخ في النفوس وظهر على الألسنة لم يدخلها الخلل والنقص والفساد في الدهر الذي كان بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين عيسى عليه السلام، فحين همت بالضعف وكادت تنقص عن التمام وانتهت قوتها بعث الله تعالى محمدا
صلى الله عليه وسلم
فجدد أقاصيص آدم ونوح وموسى وهرون وعيسى ويحيى عليهم السلام وأمورا بين ذلك، وهو الصادق بالشواهد الصادقة، وأن الساعة آتية وأنه ختم الرسل عليهم السلام به، فعلمنا عند ذلك أن حجته ستبقى إلى مدتها وبلوغ أمر الله عز وجل فيها.
فصل منه : ثم رجع الكلام إلى القول في الأخبار فأقول: إن الناس موكلون بحكاية كل عجيب، وميسرون للإخبار عن كل عظيم، وليسوا للحسن أحكى منهم للقبيح، ولا لما ينفع أحكى منهم لما يضر، وعلى قدر كبر الشيخ تكون حكايتهم له واستماعهم منه. ألا ترى أن رجلا من الخلفاء لو ضرب عنق رجل من العظماء لما أمسى وفي عسكره أو بلدته جاهل ولا عالم إلا وقد استقر ذلك عنده وثبت في قلبه؛ لأن الناس بين حاسد فهو يحكي ذلك الذي دخل عليه من الثكل وقلة العدد، وبين واجد يعجب الناس، وبين واعظ معتبر، وبين قوم شأنهم الأراجيف بالفاسد والصالح. ولو كان ضرب عنقه في يوم عيد أو حلبة أو استمطار أو موسم لكان أشد لاستفاضته وأسرع لظهوره، ولو جاز أن يكتم الناس هذا وشبهه على الإيثار للكتمان وعلى جهة النسيان لكنا لا ندري لعله قد كان في زمن صفين والجمل والنهروان حرب مثلها أو أشد منها ولكن الناس آثروا الكتمان واتفقوا على النسيان. فإذا كان قتل الملك للرجل من العظماء بهذه المنزلة من قلوب الأعداء ومن قلوب الحكماء والغوغاء، فما ظنك بمن لو أبصروا رجلا قد أحياه بعد أن ضرب عنقه وأبان رأسه من جسده! أليس يكون تعجبهم من إحيائه أشد من تعجبهم من قتله؟! وكان يكون إخبارهم من خلفوا في منازلهم ومن ورد عليهم عن القتل ليكون سببا للإخبار عن الإحياء؛ إذ كان الأول صغيرا في جنب الثاني! فهذا يدل على أن أعلام الرسل عليهم الصلاة والسلام وآياتهم أحق بالظهور والشهرة والقهر للقلوب والأسماع من مخارجهم وشرائعهم. بل قد نعلم أن موسى عليه السلام لم يذكر ولم يشهر إلا لأعاجيبه وآياته، وكذلك عيسى عليه السلام، ولولا ذلك لما كانا إلا كغيرهما ممن لا يشعر بموته ولا مولده. وكيف تتقدم المعرفة بهما المعرفة بأعلامها وأعاجيبهما وأنت لم تسمع بذكرهما قط دون ما ذكر من أعلامهما! فإذا كان شأن الناس الإخبار عن كل عجيب وحكاية كل عظيم والإطراف بكل طريف وإيراد كل غريب من أمور دنياهم، فما لا يمتنع في طبائعهم ولا يخرج من قوى الخليقة في البطش والحيلة أحق بالإخبار والإذاعة وبالإظهار والإفاضة. هذا على أن يترك الطباع وما تولد عليه والنفوس وما تنتج والعلل وما يسخر، فكيف إن كان الله عز وجل قد خص أعلام أنبيائه وآيات رسله عليهم السلام من تهييج الناس على الإخبار عنها ومن تسخير الأسماع لحفظها بخاصة لم يجعلها لغيرها.
فصل منه : فإن قال قائل: إن الحجة لا تكون حجة حتى تعجز الخليقة وتخرج من حد الطاقة كإحياء الموتى والمشي على الماء وكفلق البحر وكإطعام الثمار في غير أوان الثمار وكإنطاق السباع وإشباع الكثير من القليل، وكل ما كان جسما مخترعا وجرما مبتدعا، وكالذي لا يجوز أن يتولاه إلا الخالق ولا يقدر عليه إلا الله عز وجل ذكره. فأما الأخبار التي هي أفعال العباد وهم تولوها وبهم كانت وبقولهم حدثت، فلا يجوز أن يكون حجة؛ إذ كان لا حجة إلا ما لا يقدر عليه الخليقة وما لا يتوهم من جميع البرية!
قلنا: إنا لم نزعم أن الأخبار حجة فيحتجوا علينا بها، وإنما زعمنا أن مجيئها حجة، والمجيء ليس هو أمرا يتكلفه الناس ويختارونه على غيره، ولو كان كذلك لكانوا متى أرادوه فعلوه وتهيئوا له، ولفعلوه في الباطل كما يجيء لهم في الحق. والمجيء أيضا ليس هو فعلا قائما فيستطيعوه أو يعجزوا عنه، وإنما هو أن الإنسان يعلم أنه إذا لقي البصريين فأخبروه أنهم قد عاينوا بمكة شيئا ثم لقي الكوفيين فأخبروه بمثل ذلك، أنهم قد صدقوا؛ إذ كان مثلهم لا يتواطأ على مثل خبرهم على جهلهم بالغيب وعلى اختلاف طبائعهم وهممهم وأسبابهم. فليس بين هذا وبين إحياء الموتى والمشي على الماء فرق؛ إذ كان الناس لا يقدرون عليه ولا يطمعون فيه. والمجيء إنما هو معنى معقول وشيء موهوم إذا كان وكيف يكون، ومعلوم أن الناس لا يمكنهم أن يقدروا عليه ولا يستطيعون فعله، وإنما مدار أمر الحجة على عجز الخليقة، فمتى وجدت أمرا ووجدت الخليقة عاجزة عنه فهي حجة، ثم لا عليك جوهرا كان أو عرضا أو موجودا أو متوهما أو معقولا، ألا ترى أن فلق البحر ليس هو من جنس اختراع الثمار؟ لأن الفلق هو انفراج أجزاء والثمار أجرام حادثة! وكذلك لو ادعى رجل أن الله عز وجل أرسله فجعل حجته علينا الإخبار بما أكلنا وادخرنا وأضمرنا لكان قد احتج علينا.
فإن قلت: إن المنجمين ربما أخبروا بالضمير وبالأمر المستور وببعض ما يكون.
قلنا: هناك فرق، فإن خطأ المنجمين كثير وصوابهم قليل، بل هو أقل من القليل. وأنتم لا تقدرون أن تقفوا من إخبار المرسلين عليهم السلام في كثير إخبارهم على خطأ واحد. والذي سهل قليل المنجمين طرافة ذلك منهم؛ لأنهم لو قالوا فأخطئوا أبدا لما كان عجبا، لأنه ليس بعجب أن يكون الناس لا يعلمون ما يكون قبل أن يكون، ومن أعجب العجب أن يوافق قولهم بعض ما يكون، وقد نجد المنجمين يختلفون في القضية الواحدة ويخطئون في أكثرها. وقد نجد الرسول يخبرهم عما يأكلون ويشربون ويدخرون ويضمرون في الأمور الكثيرة المعاني والمختلفة في الوجوه حتى لا يخطئ في شيء من ذلك. وليس في الأرض منجم ذكر شيئا أو وافق ضميرا إلا وأنت واجد بعض من يزجر قد يجيء بمثله وأكثر منه.
Unknown page