182

Qawaʿid fi al-suluk ila Al-lah taʿala

قواعد في السلوك الى الله تعالى

Genres

محكوم عليها؛ لم يصر الخير طبيعة لها، ولا التوبة عملا بالطبع لها لكنها تتطبعه وتتكلفه، فلهذا ترى أحدهم مغمورا في أحواله، مستورا في أنواره، الحسد قائم في قلبه، والشهوة تميل بنفسه إلى حظه، وخطرات السوء تزاحمه في قصده، وسببه أن المحل محكوم عليه؛ لم يقم بتلك الأحوال والأعمال شهوة وطبيعة، فالعقل يورد الحق عليه، وطبيعة المحل تورد الشهوات إليه، فقلبه محل لتزاحم الحق والباطل، وأمره ناقص ليس بكامل.

وأما من صارت التوبة شيمة قلبه، والمحبة طبيعة سره، بعدت عنه الآفات، وهمست في سره الخطرات، وصارت حقيقته هي الثابتة وهي المحبة، قد اشتغل محل الخواطر بذلك، وصارت عليه مكبة، واطمأنت نفسه على الحق وأرادته، فصارت النفس تريد ما يريد القلب والعقل بطبيعته، وهذا هو العطاء الفاضل والمنحة الشريفة، وهو أن يصير العدو صديقا، والمبغوض الممقوت حبيبا حقيقا.

وكان - والله أعلم - أن مراد الحق من العبد هذا القدر، وأن الرب تعالى لا يكمل رضاه عن العبد وفي باطنه طبعه من العذر يحب ما يبغض، ويكره ما يحب، وإن كان معفوا عنه لكراهية ما في طبعه بالاعتقاد واللب، وأما شخص انقلب طبعه فصار يحب ما أحب الله، ويكره ما يكره الله، فهذا - والله أعلم - هو الاستعداد لمحبة الله تعالى له؛ لأنه لم يبق في باطنه ما يكره الله، وانجمع بكليته على مراد الله ، وهذه غاية السياسة التي ينتهي إليها الاكتساب ، وإن كانت في الأصل من فضل الله الوهاب، وهو طريق الأبدال الذي يبدل الله سيئاتهم حسنات.

Page 204