181

Qawaʿid fi al-suluk ila Al-lah taʿala

قواعد في السلوك الى الله تعالى

Genres

أمرا يركن إليه، ويستند في أموره عليه، لا يغيب عنه ساعة من الزمان، وإن خطفه عنه أمر من الأكوان، لكنه غالب أمره مشاهد الإيقان.

فلما استقرت في ذلك قدمه نهضت إلى حقيقة التوبة عزائمه، فتجردت القلوب عن النفوس تجرد المتجرد عن المبلوس ، هذا علامة خواص الملك القدوس، فعاملت ربها بالتوبة، بلا أمر تهابه [...] وهذا أول طريق الخاصة، منه يرتقون إلى محبة القلوب، فنهضت قلوبهم إلى الإرادة كما نهضت بالتوبة، وذلك حين صار لها عادة.

فصاحب القلب لو أن آخرا إذا عمل عملا من الأعمال الظاهرة؛ مثل ذكر أو صلاة أو تلاوة أو غيره ، أو من الأعمال الباطنة؛ مثل توبة أو محبة أو رضا أو غيره ، تراه غائبا بذلك العمل عن غيره، مستورا فيه عن هواجس نفسه، فإن محل الخواطر هو المشتغل بتلك المعاملة، فليس فيه فضل، ولا للآفات النفسانية والشيطانية في غالب الأمور عليه مدخل، وهذا إن شاء الله أول طريق المقربين، وهو تخلص قلوبهم من أسر نفوسهم وخطراتها لصفائها عن أدرانها وأدناسها، سكن العقل فيها فلم يهم إلا بخير، وكيف لا ? وقد صار هو صاحب المعاملة طبعا لا تكلفا.

وأما العباد والصالحون الأبرار؛ فغالبا إنما يسلكون بحكم نفوسهم على عقولهم، ولهذا ترى فيهم المرارة والمنازعة؛ لأن قلوبهم

Page 203