Qalāʾid al-jumān fī farāʾid shuʿarāʾ hādhā al-zamān, al-mashhūr bi-ʿuqūd al-jumān fī shuʿarāʾ hādhā al-zamān
قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان، المشهور ب «عقود الجمان في شعراء هذا الزمان»
Editor
كامل سلمان الجبوري
Publisher
دار الكتب العلمية بيروت
Edition
الأولى
Publication Year
٢٠٠٥ م
Publisher Location
لبنان
بسم الله الرحمن الرحيم
[مقدمة المؤلف]
الحمد لله الذي ألهج خواطر الشعراء [بالكلام] الموزون، وألهمهم الغوص على درِّه النفيس وجوهره المخزون، وذلَّل لهم زمامه بعد الجماع فانقاد، حتى تملكوا رقَّة بذكاء الفهم والذهن الوقاد؛ فتصرفوا في أنواعه وفنونه، وأظهروا ما كان بديعًا من مكنونه، ومروا الخالص من درره، واستنبطوا النادر من غرره.
فكم ابتكروا من المعاني البليغة التي جلت ودقت، وكسوها الألفاظ الرشيقة التي راقت ورقَّت؛ ما شهد لهم بكمال البراعة، والتبريز في إحكام الصناعة. فلو انتقدت هذه الألفاظ والمعاني، وتأملها الحاذق في صنعة المعاني؛ مع تلك البدائع التي اخترعوها، والمحاسن التي أتوا بها وابتدعوها، لقال مبادرًا: هذا هو السحر الحلال، أو الراح الشَّمول شجَّت بالماء الزلال، ويواقيت رصعت في التيجان، وشذور ذهب فصِّلت باللؤلؤ والمرجان؛ ولا بل رياض أنيقة تبهج/٢ أ/ الناظرين ناصع ألوانها، قد تضرجت وجنات شقيقها، وابتسمت ثغور أقحوانها. وزها نرجسها وعرارها، واستنار وردها وبهارها، وأشرق ياسمينها، ولاح نسرينها. ضاحكها الشمس غبَّ بكاء الغمام، فأصبح النَّور بأرجائها مفتَّح الأكمام؛ فإذا نشر النسيم خمائل زهرها وحياها، جاءت بالمسك السحيق من تربها وطيب تضوُّع ريَّاها. وكلما شدت أطيارها وترَّدت ألحانها، رقصت غصونها طربًا وصفَّقت غدرانها.
نحمده على ما أولانا من فرائده الأثيرة، وأجرانا فيه على عوائده الخطيرة، وصلى الله على رسوله الصادق الأمين، سيد الأنبياء الأكرمين؛ الذي أنزل ﷿ في حقّه في كتابه المبين ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾.
1 / 59
ثم الصلاة على آله مصابيح الظلام، وصحابته نجوم الإسلام، ما نمّقت ثريحه وحبّرت، وأنشأت رويه وعبّرت.
وبعد؛ فإنَّني لمّا قاربت إنهاء كتابي الموسوم "تحفة الوزراء" /٢ ب/ المذيل على كتاب "معجم الشعراء" الذي ألَّفه وجمعه الشيخ أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزباني الكاتب –رحمه الله تعالى- فجاء كامل الوصف في تنقيحه، بديع الصنعة في تحريره وترقيحه؛ أحسن زينة من العرائس، تجلى في الغلائل النفائس.
فأخلدت إلى أن أجمع من الشعراء الذين دخلوا في المائة السابعة وأدركوها، وانخرطوا في سلك فريقها وجاوزوها، ومن وطئ بساطها، وسلك سراطها، على حسب ما صار لدىَّ حصوله، واتفق إلىَّ وقوعه ووصله؛ من شعراء عصري، ومحاسن فضلاء دهري، وأفرد لذلك كتابًا بسيطًا، حاويًا لشوارد كلامهم محيطًا، يشتمل السمين والغيث، والقشيب والرث؛ ليكون أجمل في العيون وأبهى، وأحلى في النفوس وأشهر. لا يملّ من تصفحُّه قاريه، بل يروق له ما اشتملت عليه مطاويه.
فبادرت –بحمد الله وحوله- وفضله السابغ وطوله، ألتقطه من الشفاه، وأتلقفه من الأفواه، وأودعه ما يستحب ذكره، وأسطر في غضونه ما يجب سطره /٣ أ/ من شعراء أهل العصر، إذ هم الجمّ الغفير الذين لا يأتي عليهم الحصر؛ فإن حصرهم بحر لا يدرك قعره، ومتاع لا يسبرّ على الحقيقة سعره.
ثم لا يشقّ هذا الغبار، ويجري في هذا المضمار، ويتمسك بهذه الأسباب،
1 / 60
ويتقمص هذا الجلباب؛ إلاَّ من يجهد نفسه فيه إجهادا، ويبذل لذيذ رقاده سهادًا. ولا يضيق به ذرعا، ويتخذ الصبر له جنّة ودرعا، ويشمّر في الطلب عن ساق جدّه، ويخلق جديد العمر بسعيه وكدّه.
وجعلته له كالذيل، وأجريته في ذلك السيل، [وكلته بذلك الكيل]؛ إذ هو قطرة من حياضه، وزهرة من رياضه.
ثم إنَّني أضيف إليه لمعًا من منثور يروق، وأوشحه بأنموذج من أخبار تشوق؛ مما نتيجته بنات أفكارهم، وضمنته ما يستحسن من نوادرهم واخبارهم، وأذكر من عرف بالكنية دون الاسم، واشتهر بها فصارت له تجري مجرى الاسم العلم، لا يعرف إلاّ بها وذلك كثر في الأسماء.
ثم سقته على حروف المعجم مرتبا؛ ليأتي غريبًا في شأنه مهذّبا، ويكون أسهل/٣ ب/ على محاولة، وأقرب إلى يد متناوله؛ فإنه ترتيب لم أسبق إليه، وتأليف لم يزاحمني أحد عليه.
وتتبعت كل من هو داخل في الشرط الذي شرطته، ومعدود في القبيل الذي أثبتّه، مقتفيًا أثر من تقدّمني في هذا الأسلوب، ومقتديًا بمن هو بهذا الشأن مع العلماء محسوب؛ كالأستاذ السابق، والإمام الحاذق: أبي منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي النيسابوري في كتابه "يتمية الدهر في محاسن شعرء العصر"، وتلاه أبو الحسن على بن الحسن بن أبي الطيب الباخرزي الكاتب
1 / 61
فعمل كتاب "دمية القصر وعصارة أهل العصر" فتبعه أبو المعالي سعد بن علي بن القاسم الحظيري الكتبي فألَّف كتابه "زينة الدهر في لطائف شعراء العصر" فتبع بعده الإمام أبو حامد محمد بن محمد بن حامد الكاتب الأصفهاني، فأنشأ كتابه "خريدة القصر وجريدة العصر"، ثم كتاب "الملح العصرية" تأليف أبي القاسم علي بن جعفر بن علي السعديّ الصقليّ الأديب/٤ أ/ النحوي المعروف بابن القطّاع، وكتاب "الأنموذج في شعراء القيروان" صنّفه
1 / 62
أبو علي الحسن بن رشيق الأزدي المهدوي، ثم كتاب "الحديقة" صنعه في شعراء العصر، الحكيم أبو الصلت أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت المهدوي، ثم كتاب "أسر السرور" تأليف القاضي أبي العلاء محمد بن محمود بن أبي الحسن بن الحسين الغزنوي، في ذكر شعراء أوانه، وكتاب صنعه عمارة بن أبي الحسن علي بن زيدان اليمني في شعراء عصره، وكتاب
1 / 63
"المختار في النظم والنثر لأفاضل أهل العصر" تأليف ابن بشرون الصقلي، وكتاب "وشاح دمية القصر" تأليف القاضي الإمام الأديب أبي الحسن علي بن زيد بن محمد بن الحسين البيهقي. وإلى غير هؤلاء الفضلاء، المبرزين في الآداب النبلاء، ممن لم يقع إلى له تصنيف، ولم أعثر له على جمع وتأليف.
وقد سمت هذا الكتاب بـ:
"قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان"
أعني بذلك زماني، ومن أدركه من الشعراء عياني.
ثم إني أسأل الناظر فيه الصفح عن هفواتي، وأرغب إليه في الستر/٤ ب/ على زلاتي وعثراتي؛ لأنني ألَّفته وأنا كليل الناظر، مشدوه الخاطر. قد أخذ مني الفقر بحقّه، وصيّرني أسيرًا في قبضاع ورقّه. والدهر يجرّعني كاسات حتوفه، ويصميني بسهام صروفه.
فلا غرو من ذي قلب محزون، وصدر بالأفكار مشحون؛ أن يصفو أو يزل، أو يخطئ أو يضل. وها أنا لم أصح من بقايا سكره، ولم أزل غارقًا في تيار بحره؛ لا سيما والشيب قد كتب في فوديَّ سطورًا، وبدّل مسك العذار كافورًا. وإلى الله تعالى ألجأ من توارت الهموم، وتتابع الأحزان والغموم، ومنه أستمد المعونة وحسن التوفيق، بأن يهديني إلى أرشد مذهب وأوضح طريق. إنه سميع مجيب الدعاء، وليّ الإجابة جمّ العطاء، وبه المستعان، وعليه التكلان.
1 / 64
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه الثقة
حرف الهمزة
ذكر من اسمه إبراهيم
[١]
إبراهيم بن محمد بن حيدر بن عليِّ، أبو إسحاق الموذنيُّ الخوارزميُّ، المدرّس الحنفيُّ.
كان أعلم أصحاب الإمام أبي حنيفة ﵁ بالفقه في وقته، جليل القدر، كثير المحفوظ، متقنًا في علوم الإسلام والشريعة. وكان إمامًا في الفقه والفرائض وعلم التفسير والحديث والأصولين والكلام؛ وينضاف إلى ذلك معرفته بالنحو واللغة والأدب، مع أخذه بحاشيتي النظم والنثر. وكان له اعتناء بتصانيف أبي القاسم الزمخشري، كثير الميل غليها والتحفظ منها، وله ديوانا خطب وأشعار.
كانت ولادته في شهر ذي الحجة سنة تسع وخمسين وخمسمائة. وكان فقيهًا حنيفًا مدرسًا أديبًا بارعًا؛ له من التصانيف كتاب "ديوان الأنبياء" وكتاب "شرح كليلة ودمنة" بالفارسية، /٦ أ/ وكتاب "الوسائل إلى الرسائل" من نثره، وديوان
1 / 65
شعره بالعربية، وديوان شعره بالفارسية، وكتاب "الخطب في دعوات ختم القرآن"، سمّاها "يتيم اليتيم"، وكتاب "الطرفة في التحفة" بالفارسية رسائل، وكتاب "أسايش نامه" في المواعظ بالفارسية، وكتاب "تعريف شواهد التصريف"، وكتاب "أنموذار نامه" يشتمل على أبيات غريبة شرحها بالفارسية، وكتاب "كفتار نامه" منطق، وكتاب "مرتع الوسائل ومربع الرسائل".
أنشدني أبو حامد سليمان بن جبرائيل بن محمد الإربلي بها، لأبي إسحاق إبراهيم بن محمد يمدح النبي –ﷺ لنفسه: [من البسيط]
سليل عبد مناف من أناف على ... هامات كفر وسيف البغي مسلول
له خصائص من حكم تبرُّ على ... خصائص الرُّسل لا يغتالها غول
وشبِّهت بالنُّجوم الزُّهر صحبته ... فالرُّشد من كلِّهم للخلق مأمول
فمن لهاهم هجان الحقِّ في مرح ... ومن نهاهم هجين الفسق مشكول
فعن مودَّة أهل البيت خالصة ... ربع السَّعادة في الَّارين مأهول
ولِّيت أعمال خيرات أقوم بها ... بأنَّني عن قبيل الرَّفض معزول
/٦ ب/ أوضحت معتقدي في شأن حبِّهم ... والله في ذاك للتوفيق مسؤول
فمن يخالفني فالسيف مخترط ... ومن يحالفني فالسَّيب مبذول
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه يمدح الخطيب برهان الدين محمد بن محمود:
[من الطويل]
لبرهان دين المصطفى الدِّين أجمع ... وإنِّ بني الدُّنيا على ذاك أجمعوا
يقصِّر عن فضوى معاليه قيصر ... ويتبعه في الأمر والنَّهي تبَّع
وبالشَّرق من ذكرى سجاياه محفل ... وبالغرب من عليا عطاياه مجمع
وللعلم في أحكامه الزُّهر معلم ... وللشَّرع في أقلامه الغر مشرع
له قلم في سنِّه منعش الورى ... ولكن إذا أستشرى العدا فيه مصرع
1 / 66
به يستقيم العلم إن سلَّه على ... صحائف شرع الله والجهل يضلع
ففي مشقه رعد السماحة قاصف ... ومن شقِّه برق الفصاحة يلمع
له قصدت مني إليه قصيدة ... غدّا الشِّيخ من أثنائهأ يتضوَّع
فلو قرعت سمع أبن أوس لما أرتضى ... أما أنَّه لولا الخليط المودِّع
وأنشدني، قال: أنشدني إبراهيم بن محمد يمدح شهاب الدين أبا سعيد عمران الخيوقي: [من الطويل]
/٧ أ/ عذريي من ترجيل صدغ مسلسل ... رجال التُّقى تهفو لهذا التسلسل
عذيري من صدغ الغدار الَّذي التوًى ... فألوى بدين الزَّاهد المتبتِّل
يرى في مقامات المناجاة جازعًا ... طلوعًا ومن حسن العزاء بمعزل
بصوب دوموع دونه صوب مزنة ... وغلي فؤاد دونه غلي مرجل
فيا حبة القلبً أصبري صبر مبتلًى ... بغير هوًى فالحب للصَّب مبتلي
وما مغزل فرَّت لغدر وغادرت ... طلاها نحيفًا ي نحافة مغزل
وقد عولت بالكره عن سكناتها ... بهيرًا وتشكو صيد شاك وأعزل
وطارت شعاعًا نفسها إذ تناحت ... شعاع سيوف داسها يد صيقل
وأثَّر فيها ذعر جند مكبِّر ... كما نال منها خوف جيش مهلِّل
شرايين جرحاهم موًارد قثعمً ... واشلاء قتلاهم موائد جيأل
فمن سمرهم ناصت لطعن معجَّل ... ومن بيضهم باضت لقتل مؤجَّل
بأكثر منِّي لوعة يوم آذتت ... برحل جديليِّ شبيه بأجدل
ومن مديحها:
بمدح شهاب الدِّين أرجم خصمه ... كريم بني الدُّنيا المرجَّى لمعضل
خواطره مالت تحلُّ عويصة ... وآراؤه آلت إلى حلِّ مشكل
/٧ ب/ عديم نظير في المناظرة الَّتي ... لفرسان فقه صعبها لم يذلَّل
1 / 67
وإن أقفل الأشكال باب دقائق ... بفطنته ألغينا مفتاح مقفل
خبير بصير عند كل مباحث ... بإجمال تفصيل وتفصيل مجمل
حوى قصبات السَّبق بالعلم واحتوى ... على آخر بالمكرمات وأوَّل
أتتك ابن عمران قصيدتك الَّتي ... قصت بها أشعار قيس وجرول
فلو قرعت سمع أمرئ القيس لم يقل ... (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل)
وكتب إلى بعض الأكابر: [من البسيط]
يا بدر دين إله الخلق نفسي من ... حرمان خدمتكم ماتت فمرتعش
من رحمتي اغتدي حيران مرتعشًا ... كأنَّني زئبق في كفِّ مرتعش
[٢]
إبراهيم بن عمر بن محمد بن إبراهيم، أبو إسحاق الحانيَّ العطّار، المعروف بابن رقيقة.
وهو من حيني مدينة من آخر ديار بكر من ثغر الروم.
كان هذا الرجل عطارًا، وله حانوت بمدينة حيني يتعيش في العطر. وكان صاحب ثراء. وكان عزبًا لم يتزوج قطّ.
شاعر متقّن، ومترسّل محسن، له أشعار مجموعة، ورسائل مدونة، وخطب مستجادة. حسن المعرفة بالأدب واللغة، /٨ أ/ له مدائح في الملوك [من] بني أيوب وغيرهم من الأمراء والأشراف.
وهو رجل صالح المروءة، عزيز النفس، سخيُّ الكفِّ، كثير التواضع، [حرّ الطبع، لا يرد سائلًا ولا يحرم وافدًا يقصده، على سيرة لم يكن عليها أحد من أبناء زمانه الأسخياء من شرف النفس، وكمال المؤوءة، وسعة الصدر، والانقباض عن الأكابر والرؤساء؛ فإنه كان يرى في نفسه أنه أجل منهم قدرًا، وأجل رتبة وفضلًا، ولم يعش ...... الذين كانوا يخالطونه؛ لأن نفسه كانت تترفع عن أن يمدح للاستجداء
1 / 68