Qadim Wa Hadith

Kurd Cali d. 1372 AH
126

Qadim Wa Hadith

القديم والحديث

Genres

وانهيال السوري على هذا القطر (المصري) خاصة قديم جدا يصعب تعيين زمنه لاتصاله ببلاد الشام برا وبحرا، ولم تكن القوافل في الإسلام تنقطع في البر كما أن المراكب لم تكن تنقطع عن السفر في البحر، ولم تبرح بلاد الشام مصيف مصر وإحداهما مكملة لعمران جارتها، وقد وصف ابن فضل الله العمري في التعريف بالمصطلح الشريف طريق القوافل بين القطرين، كما عقد القلقشندي في صبح الأعشى فصلا في مراكب الثلج الواصل من البلاد الشامية إلى الملوك بالديار المصرية، ومصر ما برحت كما وصفها ابن خلدون في القرن الثامن: «بستان العالم، ومحشر الأمم، ومدرج الذر من البشر.»

نعم هي محشر الأمم ولا سيما الأمم المجاورة لها من البر أو المناوحة لها من سيف البحر؛ وذلك لأن عمرانها طبيعي مستمر في معظم أدوارها، فلا عجب إذا كانت مهاجر الأمم من عرب وعجم، قبل أن تكون نقطة الاتصال بين قارات أوروبا وأفريقيا وآسيا بفتح ترعة السويس، فما بالك بعد أن تم لها ذلك، فمصر والحالة هذه مقصودة من أقطار الأرض أكثر مما يقصد أهلها سائر الأقطار، والأمة التي تكثر في الغالب خيرات بلادها لا يهون عليها مغادرتها، وطلب الحاجيات هو الباعث الأقوى على المهاجرة ، فإذا كفيها المرء يصاب بالوفاء وضعف العزائم.

وما فتئ السوريون والروم والترك والمغاربة مذ كانت حكوماتهم تتغلب على مصر ينزلون بلاد النيل، فالروم حكموها زمنا طويلا وكذلك الترك والعرب والجراكسة، فكان من هذه العناصر أن نزلتها بكثرة، وأصبح أكثرهم فيها عمالا وحكاما وقضاة، ورؤساء جند وعلماء، وأرباب صنائع وتجارة، ولم تكثر هجرة الأوروبيين إليها إلا عقيب الاحتلال الفرنسوي عندما بدأ الفرنسيس والطليان والمجر وغيرهم من أمم الغرب يهبطون إليها، وقد كثر سوادهم على عهد الخديوي إسماعيل لأنه فتح أمامهم طرق الهجرة، وأحسن معاملتهم ووفر لهم المغانم وطرق الكسب.

ولما قبض رجال الاحتلال من الإنكليز على أزمة الأعمال، أخذ الناس يفدون على مصر من كل فج عميق، حتى إنك لتجد فيها الآن من جميع الشعوب واللغات أناسا أسسوا فيها الأعمال التجارية والزراعية والمالية والعلمية، وكثير منهم اغتنوا من خيراتها بفضل كدهم، وقد قدرت ثروة السوريين فيها بخمسين مليون جنيه؛ أي بعشر ثروة القطر، وهكذا سائر الأمم، ولا سيما الروم والطليان والفرنسيس، فإن فيها من هذه الأجناس ألوفا اغتنوا من خيراتها، واتخذوها دار هجرتهم، ووطنا ثانيا لهم، وحال مصر اليوم مع المهاجرين إليها يختلف عن حالها مع أمثالهم في القرن الماضي؛ لأن ثقة الأمم تزداد بها الحين بعد الآخر؛ ولأن الأساس الذي قامت عليه حضارتها اليوم أساس مالي زراعي، خصوصا وقد ظهرت الآن نتائج ما تعب القابضون على أزمة سياستها سنين في تأسيسه، واشتهر ذلك عند الخاص والعام في الأقطار النائية بما يتصل بهم من أخبارها، وأخبار من يغتنون من المهاجرين إليها، ممن توفرت لديهم رءوس أموال، أو كانوا من أرباب العقل والعمل، فكانت مصر ميدانا لظهور آثارها، وربما لا يذكر الناس إلا من نجحوا، وقلما يذكرون من أخفقوا عادة في البشر، ولعلها من موجبات أقوامهم على الكسب والكدح في هذه الدار.

ولقد ساعد على كثرة الهجرة إليها حال بعض البلاد المجاورة لها من حيث اجتماعها ومادتها، فترى سكان جنوبي إيطاليا القاحلة يهاجرون إليها أكثر من القاطنين في الشمال منها؛ لأن شمالي إيطاليا مخصب، وأهلها مكتفون بما تجود به عليهم أرضهم وسماؤهم، وكذلك تكثر إليها هجرة سكان جزائر البحر الرومي، ولا سيما بلاد اليونان الجديبة وأهل سواحل الشام وجبالها.

هذه مصر من حيث مهاجر الأمم، فهي دولية - كما يقول الساسة - أو مشتركة بين أجناس وأديان شتى، والتاريخ يشهد أنها كانت رحبة الصدر بالوافدين عليها في كل العصور؛ للين عريكة أهلها، ولم يحدث هذا التميز بين سكانها، إلا عندما أراد مهاجرو الإفرنجة أن يستطيلوا على أهلها، فأحدثوا لهم ما يقال له «الامتيازات الأجنبية»، التي تخولهم من الحقوق ما ليس للوطني مثله، ثم كثر توارد الأخلاط عليه، ولم يكن الوافدون إليها على غرار واحد، بل كان منهم المنورون العالمون وهم أفراد، ومنهم المتعلمون المهذبون وهم أكثر، ومنهم العامة الأميون وهم السواد الأعظم، ومعظمهم طلاب رزق وسوقة نازعوا ابن البلاد وربما غلبوه؛ لأن من جاء في طلب غرض يحتال للوصول إليه، والغريب في الغالب يكون أجرأ وأنشط من الأصيل؛ لأن الغربة في ذاتها إمارة من إمارات النشاط:

وطول مقام المرء في الحي مخلق

لديباجتيه فاغترب تتجدد

والأمثلة كثيرة في هذا الباب من القديم والحديث، فليس للوافد ما للقاعد من الخمول والاتكال، ويكفي أن في لندرا لهذا العهد، وهي مهد الصناعات والارتقاء زهاء مائتي ألف رجل من رجال الألمان، استولوا على أعمالها المالية، واستأثروا بها دون ابن البلاد المتعلم المنور، الذي لا يقل عنه في مواهبه، هذا في عاصمة إنكلترا، فما الحال بمصر وأكثر الوافدين إليها هم من الشعوب القوية، ومن أهل البلاد الباردة التي تبعث النشاط في قلوب أبنائها وأجسامهم وعقولهم، فيتخذون عدتهم استعدادهم، وكدهم رأس مالهم، وعتادهم وذخرهم قصدهم واقتصادهم، على حين قد أتت على الوطني أزمان من الفوضى ضعفت بها قواه، فأصبح لا يقوى على العمل إلا إذا عوده زمنا ولقنه بالتعليم والتربية، وقد فجأته الثروة والحرية مفاجأة بهرته وحيرته، ثم إن ابن البلاد في الغالب لا يسف إلى المكاسب التي يتنازل إليها الغريب، فالأول يدل بأرومته أو يعتز بأمته، والثاني يذل في سد حاجته ونيل بغيته.

ولما رأت الحكومة المصرية على عهد الوزارة الرياضية أن الوطني يكاد يفنى في الدخيل سنت لائحة صعبت فيها على النازل في مصر أسباب الحصول على حقوق الوطني، إلا بعد مقامه خمس عشرة سنة، وإشعاره الحكومة بعزمه على تغيير جنسيته قبل حلول الوقت المعين بخمس سنين، فكانت هذه اللائحة غريبة في بابها، منعت بعض الطراء على القطر من ولوج باب الاستخدام في دواوين الحكومة، وحظرت عليهم تعاطي الأعمال الإدارية والسياسية، إلا أنها صرفت وجهتهم إلى اتخاذ الأعمال التجارية والزراعية والمالية والعلمية الحرة، فأفلحوا أكثر مما لو كانوا حصروا كدهم في الوظائف الاتكالية، ولم تحق عليهم كلمة «مصر للمصريين»، ومن هنا نشأ بغض كثير من المصريين للغرباء، كان السبب في ذلك أولا منافسة هؤلاء لأبناء البلاد في احتياز الوظائف، وساعد عليها ما ألفته بعض الجرائد المسموعة الكلمة من عبارات التفرقة، وهناك أسباب أخرى قواها أرباب الأهواء والغايات، فانتقلت بالتقليد إلى العامة، ومن نحا منحاهم من الخاصة.

Unknown page