Nukhbat al-laʾālī sharḥ badʾ al-amālī

نخبة اللآلي شرح بدأ الأمالي

Publication Year

1407 - 1986 م - 1365 ش

بسم الله الرحمن الرحيم نحمد من وجب له الوجود كما وجب له السجود وفاض منه الجود ففاض منه كل موجود المقدس بصفات الجلال وجلال الصفات المتوحد ربوبيته في الوحدانية وواحدية الذات المتفضل بصلات النوال ونوال الصلات السميع البصير العليم الخبير بالجزئيات والكليات من سائر المصنوعات والمعلومات المنزه عن الحدود والجهات وعن الوالد والولد والزوجات المتعالي عن كل ما تصوره الخيالات وتخيله أفكار الذوات وتقدره بالأمثلة والاحتمالات حمدا لا يحويه الحد ولا يحصيه العد على ما شرح صدورنا بنور التوحيد ونور قلوبنا بنور يقين يقيها من ترديد التقليد ونشهد أن لا إله إلا الله الحميد المجيد ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله سيد المخلوقات وأشرف الموجودات والمؤيد بالمعجزات الباهرات والآيات البينات صلى الله عليه وسلم وكرم وعظم وعلى آله الذين بلغوا بشرفه أشرف الغايات وعلى أصحابه الذين نالوا بصحبته أرفع الدرجات ما لاح مصباح وانفلق إصباح وسلم تسليما وبعد فيقول العبد المفتقر إلى رحمة ربه الغني المنان محمد بن سليمان الحلبي الريحاوي الحنفي عامله الله بلطفه الخفي وغفر له ولوالديه وأحسن إليهما وإليه لما رأيت منظومة العلامة سراج الدين أبي الحسن علي بن عثمان الأوشي نسبة إلى أوش قرية من قرى فرغانة الموسومة ببدء الأمالي في علم الكلام قد مد إليها بعض أهل زماننا يد المسخ والتبديل وكدر صورة وجهها الجميل مع أنها مكتفية عن القيل والقال بما وضع عليها من شروح ذوي الأفضال للأئمة المحققين والفضلاء المدققين وإن كان منهم من أقل فأخل ومنهم من أكثر فأمل فأردت أن أجلي عنها تلك الكدورات التي لحقتها والشوائب التي تبعتها بشرح يزيل عن وجنة تراكيبها الصعاب ويكشف عن وجوه معانيها النقاب مغن عن بقية الشروح والايضاح

Page 2

إغناء الصباح من المصباح ناكبها عن الإيجاز والإطناب الممل متمسكا بقوله عليه السلام خير الكلام ما قل ودل وإن كنت في الأواخر وكم ترك الأول للآخر مع ما بي من اشتغال البال وعدم انتظام الحال سائلا من الكريم المتعال الحفظ عن الزلل في المقال والصيانة عن الخلل في الأقوال وراجيا ممن وقف على ما في هذه الأوراق وإن لم يكن مما لاق بنظره أوراق أن يغض الطرف بعد الامعان عن مواضع زللي ويقض الحرف بعد الاتقان من مواقع خللي ويعذرني فيما لم يصب فيه سهمي ولم يصل فيه إلى الحقيقة فهمي فإني بقصور الباع عن هذه الشأن مقر وعلى هذا الاعتراف ما حييت مصر على أن الأمر بيد الله يفعل ما يريد وينقص من خلقه ما يشاء ويزيد وهو المسؤول لنيل الرشاد ومنه المبدأ وإليه المعاد وسميته نخبة اللآلي لشرح بدأ الأمالي التي هي من العروض الأولى والضرب الأول من البحر الوافر سمى به وأتى بها منه لوفور أجزائه وتدا فوتدا وهو البحر الأول من الدائرة الثانية وهي الدائرة المؤتلفة مقدمة اعلم أن أول الواجبات الاشتغال بعلم الكلام إذ هو أصول أصول الشرايع كلها والفائدة فيه أتم وبه الهدى وسمي كلاما لأن الاشتغال بالتعليم والتعلم لا يكون إلا بالتكلم ولم يسم غيره من العلوم به للتمييز قال المولى سعد الدين رحمه الله سموا ما يفيد معرفة الأحكام العملية عن أدلتها التفصيلية بالفقه ومعرفة أحوال الأدلة إجمالا في إفادتها الأحكام بأصول الفقه ومعرفة العقائد عن أدلتها بالكلام لأن عنوان مباحثه كان قولهم الكلام في كذا وكذا انتهى واختلف في معنى العلم المفروض في قوله عليه الصلاة السلام (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة) فقيل علم الكلام وقيل علم الفه وقيل علم التفسير والحديث والحق إن كل ما يجب على المكلف فعله أو تركه أو اعتقاده يجب العلم به لأن متابعة الشارع واجبة و هي متوقفة على ذلك وما توقف عليه الواجب فهو واجب لكن أوله اعتقاد أن للعالم صانعا واحدا قادرا لا شريك له ثم الصلاة والصوم والحج والزكاة ونحو حرمة الخمر والسرقة وقتل النفس والزنا وغير ذلك مما هو من ضرورات الدين التي تعرفها العامة فإن معرفة هذه القدر فرض عين على كل مسلم ومسلمة وصحة ذلك متوقفة على صحة الاعتقاد وصحته متوقفة على علم التوحيد فتعين تقديم هذا العلم على بقية العلوم وسئل أبو حنيفة رضي الله عنه عن التفقه في الدين والتفقه في العلم على الفرع معلوم قال تعالى إن الدين عند الله الإسلام ولا شك أن العبد يلزمه

Page 3

أولا الإسلام لقوله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون أي ليوحدوني فالدين هو التوحيد والعلم هو الديانة أعني الشرايع وهي بعد التوحيد فالدين عقل على الصواب والديانة سيرة على الصواب ولكن العلم أفضل من العقل خلافا للمعتزلة ودرجة العلم بقدر المعلوم والمعلوم بعلم الكلام ذات الله تعالى وصفاته والله أعلى وأجل وأعظم وأعز فما توصل به إلى معرفة ذاته يكون أعلى درجة وأعظم منزلة من سائر العلوم ولأنه لا يتخلص من الكفر إلا بمعرفة الإيمان كما قيل وبضدها تتميز الأشياء ألا ترى أن من قال لا أعرف الكافر كافرا فهو ضال لأنه لما لم يعرف الكفر لم يكن عارف الإيمان وكذا من لم يعرف البدعة والضلالة لم يكن عارفا الاهتداء والاستقامة فلا يأمن أن يقع في البدعة والضلالة وقد قال عليه الصلاة والسلام من أحدث حدثا في الإسلام فقد هلك ومن ابتدع بدعة فقد ضل ومن ضل ففي النار وفيه دليل على أن أهل الأهواء والبدع والضلالة كلهم في النار وأنهم أصناف شتى باختلاف بدعهم وإن زعموا أنهم من أهل الإسلام قيل أصولهم أربع فرق: القدرية، والصفاتية، والشيعة، والخوارج ويتشعبون إلى اثنين وسبعين فرقة قال ملا خسروا رحمه الله أهل الأهواء هم أهل القبلة الذين لا يكون معتقدهم معتقد أهل السنة وهم الجبرية والقدرية والروافض والخوارج والمبطلة والمشبهة وكل منهم أثني عشر فرقة فصاروا اثنين وسبعين فرقة انتهى والفرقة الناجية هم أهل السنة والجماعة ما روي أنه عليه السلام قال: ستفترق أمتي من بعدي على بضع وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة قيل من هم قال الذين هم على ما أنا عليه وأصحابي وفي رواية فرقة ناجية والباقون في النار قيل وما الناجية قال من كان على ما أنا عليه وأصحابي اتبعوني ولا تختلفوا على فإنما هلك من كان قبلكم باختلافهم على أنبيائهم وصلوا كما رأيتموني ومن اتبعني حذو القذفة بالقذفة ومن خالف الجماعة قدر شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه وقال عليه السلام لكل شئ آفة وآفة هذا الدين هذه الأهواء وسيأتي تمامه إن شاء الله تعالى فتحصل لك أن علم التوحيد أشرف العلوم لكونه أساس العلوم الشرعية ورئيس العلوم الدينية وقانون العقائد الإسلامية ومعلومات الأصلية وغايته المواهب الإلهية والسلامة من ظلمات الفرق الاعتزالية والفوز بالسعادة الدينية والدنيوية وبراهينه الحجج القطعية المؤيد أكثرها بالأدلة السمعية وما نقل عن بعض السلف من الطعن في علم الكلام والمنع عنه فإنما فيه بما لا يعني عما يعني وإلا فكيف ينهى عما يتوقف عليه صحة الإسلام من علم الكلام والحمد لله على نعمة الإيمان قال عليه رحمة الرحمن:

Page 4

1 يقول العبد في بدأ الأمالي * لتوحيد بنظم كاللآلي يقول فعل مضارع أصله يفعل بسكون فائه وضم عينه ثم نقلت ضمة عينه إلى فائه واشتقاقه من القول وهو كما قال النحاة اللفظ الدال على معنى وهو أعم من الكلام والكلم والكلمة كما أشار إليه ابن مالك بقوله: والقول أعم. لأنه يطلق على من الثلاثة حقيقة وهو أخص من اللفظ لإطلاقه على المهمل خلافا لمن جعلهما مترادفين ولا يشترط في دلالته الصدق بقطع النظر عن قائله وإلا فقد يكون مقطوعا بصدقه كقوله تعالى وقول رسول الله صلى عليه وآله وقد يكون بكذبه كأقوال مسيلمة لعنة الله وأتى به مضارعا دون الماضي لدلالته على الاستقبال المناسب لمقوله لأنه مشترك بين الحال والاستقبال على الأرجح وقيل حقيقة في الحال مجاز في الاستقبال وقيل عكسه وقيل حقيقة في الحال ولا يستعمل في الاستقبال أصلا وقيل عكسه والعبد من التعبد وهو التذلل والخضوع وصف به نفسه لأنه أحب الأوصاف إلى الله تعالى وأرفعها إليه ومن ثم وصف به نبيه عليه الصلاة والسلام في أشرف المقامات فذكره في إنزال القرآن عليه بقوله مما نزلنا على عبدنا * أنزل على عبده الكتاب * نزل الفرقان على عبده وفي مقام الدعوة إليه وأنه لما قام عبد الله يدعوه وفي مقام الإسراء والوحي فأوحى إلى عبده ومن ثم لما خير وعليه صلى الله عليه وآله بين أن يكون نبيا ملكا أو نبيا عبدا فاختار الثاني وسليمان عليه السلام سائل الأول فانظر بعدما بين المرتبتين وأنشد في شرف العبودية قوله: لا تدعني إلا بيا عبدها * فإنه أشرف أسمائي قبله بيت وهو يا قوم قلبي عند زهراء * يعرفها السامع والرائي تحفة الأعالي والأمالي في الأصل جمع الإملا كعليا وعلايى وهو الكتابة عن ظهر القلب من غير نظر إلى مكتوب ثم صار علما منظومته هذه وقوله لتوحيد أي العلم التوحيد والصفات وإنما سمي هذا العلم به أيضا لتوحده في إثبات أعظم المقاصد وهو الوحدانية له تعالى لأن أشرف مباحثه وأعظم مقاصده وأصل المقصود به: إثبات وحدانيته تعالى وفيه براعة الاستهلال كما لا يخفى على أهل الكمال وقوله بنظم هو لغة الجمع والترتيب بين الأشياء المتناسبة أخص من الضم ومن مطلق الجمع ومن التأليف أيضا إذ المراد به ضد النشر وهو الكلام المنظوم الموزون المقفى بالقصد زيد القيد الأخير لإخراج نحو قوله عليه السلام ما أنت إصبع دميت * وفي سبيل الله ما لقيت وهو مصدر بمعنى اسم مفعول كالخلق بمعنى المخلوق ووقع ههنا صفة لمحذوف أي بكلام منظوم أو قول واللآلئ جمع لؤلؤة وهو المستخرج من جوف الصدف صح (الإعراب) العبد فاعل يقول وفي ظرفية ومجرورها ظرف للقول واللام في لتوحيد للاختصاص متعلق بالأمالي أو بيقول وهو الأظهر إن جعل الأمالي علما على هذه المنظومة وإلا فالأول أظهر فتدبر وبنظم في محل جر صفة لتوحيد أي لعلم توحيد منظوم كنظم اللآلي ومقول

Page 5

القول قوله الآتي: إله الخلق مولانا ا ه‍ (وحاصل معنى البيت) يقول عبد الله في ابتداء كلامه المسمى بالأمالي أو في ابتداء أماليه لبيان توحيد عظيم لرب كريم بنظم كلام حسن الترتيب والسبك متناسب الكلمات مثل اللآلي المنظومة في سلك واحدة عند البصيرة والباصرة واعلم أنه ينبغي لكل طالب علم أن يعلم حده وموضوعه وفائدته ليكون على بصيرة إذ ربما كان اشتغالا بما لا يعني فيكون عبثا أو لعبا وقد نهى عن كل منهما فنقول: حد هذه العلم معرفة العقائد الدينية عن أدلتها اليقينية أو هو علم يبحث فيه عما يجب اعتقاده واختلف في موضوعه فقيل المعلوم من حيث يتعلق به إثبات العقائد الدينية من جهة ما يجب للذات المقدسة العلية أو ينفي عنها من الصفات الوجودية والسلبية ونحو ذلك وقيل هو ذات الله تعالى من حيث هو وذات الممكنات من حيث إسنادها إليه وقيل هو الموجود بما هو موجود والأول أحسن وأليق بالأدب كما لا يخفى على أهل الأدب وفائدته إرشاد العبد إلى ما يفوز به في دينه ودنياه وينجو به من بدع أهل الضلال والاشتباه وهي غايته وهي أشرف الغايات قال بعض الشراح وما نقل عن بعض السلف كالشافعي ومالك وغيرهما من ذم الخوض فيه وأنه بدعة محرمة ولأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك خير من أن يلقاه بشئ من علم الكلام فقد أجيب عنه انتهى وقدمنا جوابه وإلا فكيف يتصور الذم والمنع خصوصا من هؤلاء الأئمة الأعلام من تعلم ما هو واجب عينا أو كفاية لأنا نحتاج إلى رد ما يرد علينا من شبه المخالفين الضالين فيجب أن يوجد في كل بلدة عالم متقن هذه العلم حتى جوزوا الاشتغال بعلم المنطق لذلك ويجب على كل مكلف عينا أن يقر أولا بلسانه ويصدق بجنانه بوحدانية الله تعالى أنه واحد أحد فرد صمد لا شريك له ولا ضد له ولا شئ مثله ولا شئ يعجزه ولا إله غيره ولا رب سواه غني عن الشريك والوزير متعال عن الصاحب والنظير وعن الوالد والولد والأزواج وهو إله السماوات والأرض خالق الخلائق أجمعين وأن يعلم ما يجب له تعالى وما يمتنع في حقه إلى غير ذلك ومعرفة ذلك كله يتوقف على هذا العلم فيكون الاشتغال به واجبا وبما ذكرنا اندفع أيضا ما قيل إنه إنما نهى عنه لكونه محدثا لم يكن في زمن الصحابة

Page 6

والتابعين وقد قال عليه السلام شر الأمور محدثاتها وإياكم ومحدثات الأمور ومن أحدث في ديننا هذا ما ليس منه فهو رد وحاصل الجواب بعد ما قدمنا أنه إن أريد أن البحث عن دليل وجود الصانع وتوحيده والنبوة وغيرها كالمبدأ والمعاد بدعة ومحدث فهو ممنوع إذ القرآن مشحون به وإن أريد أن الاشتغال به على الوجه المتعارف بيننا كذلك فمسلم لكنه أمر حسن قد مست إليه حاجة لم تكن في زمن الصحابة والتابعين وكذلك الأدلة المنصوصة والأمارات الموضوعة للأحكام الفقهية كانت قائمة في زمانهم والملكة المسماة بالفقه حاصلة لآحادهم وإن لم يكن هذا الترتيب والتدوين وبالجملة فمن المبتدعات ما هي حسنة بل بعضها واجب كالاشتغال بالعلوم العربية المتوقف عليه فهم الكتاب والسنة فإن الزمان يختلف والاستعدادات متفاوتة فقد يستدعي الوقت مصلحة يجب على أهلها رعايتها وإن لم تكن فيمن سلف ولذا قال الإمام الرازي ولو بقي الناس على ما كانوا عليه في صدر الإسلام لما أوجبنا الاشتغال بعلم الكلام كما لم يشتغل به الصحابة رضي الله عنهم أجمعين ولأنه اختلف في صحة إيمان المقلد كما سيأتي توضيحه إن شاء الله وقد اتفقوا على أن الإيمان باللسان من غير تصديق بالقلب لا ينفع ولا تصديق القلب بغير اللسان على قول كما سنبينه بل الإيمان على الجارحتين: القلب واللسان فالقرار والتصديق ركناه وهو المروي عن أبي حنيفة رضي الله عنه لأن اللسان عبارة عن الروح والجسد فيجب لكل منهما حصة من الإيمان وذهب قوم إلى أنه التصديق فقط والقرار باللسان شرط لإجراء الأحكام في الدنيا لأن تصديق القلب أمر باطن فلا بد من علامة تدل عليه وهو النطق فهو شرط لا شطر وبالجملة فتصديق القلب متفق عليه عند أهل السنة والخلاف إنما هو في الإقرار هل هو شرط أو شطر فعلى الأول يكون مؤمنا عند الله لا على الثاني وبالاتفاق لا تجري عليه أحكامه في الدنيا وعلى كل حال فكمال الإيمان وما يتبعه من الأحكام متوقفة على علم الكلام والسلام فإن قيل هل الإيمان مخلوق أم غير مخلوق فالأصح في الجواب أن يقال إن الإيمان إقرار وهداية فالاقرار صنع العبد وهو مخلوق والهداية صنع الرب وهو غير مخلوق فانقياد العبد وقبوله وقوله لا إله إلا الله وإقراره ونحو ذلك وتحريك لسانه وتصديق جنانه مخلوق إذ هو بجميع ذاته وأفعاله مخلوق له تعالى وحصول ذلك بهدايته تعالى وقدرته وتوفيقه وهو تعالى بجميع صفاته غير مخلوق فمن العبد المعرفة والإقرار والطاعة والانقياد ومن الله تعالى التوفيق والتعريف فافهم والله أعلم فإن قلت قد جرت عادة المصنفين الابتداء في مصنفاتهم باسمه باسمه تعالى اقتداء بكتابه العزيز وعملا بخبر كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه ببسم الله فهو أقطع أو أبتر أو أجزم ولا شك أن منظومته هذه أمر ذو بال فلم لم يبدأها باسمه تعالى قلت أتى في أولها بالبسملة لفظا وخطا وهي موجودة في سائر متونه وعليها شرح المقدسي على أنه وإن تركها خطاء لا يقال في مثله إنه تركها لفظا وبه يحصل المودة وما قيل إنه تركها أصلا إشارة إلى عجزه عن أداء شكر الله تعالى وحمده فكلام واه لا يصغى إليه قال الناظم رحمه الله تعالى:

Page 7

2 إله الخلق مولانا قديم * وموصوف بأوصاف الكمال، لفظ إله في الأصل موضوع لكل معبود مطلقا ثم غلب على المعبود بحق كالنجم للثريا والكتاب لكتاب سيبويه والصعق لخويلد بن نفيل مع أنه موضوع لكل من أصيب بصاعقة واشتقاقه من آله يأله كعلم يعلم إذا عبد فهو بمعنى اسم المعبود وقيل غير ذلك ثم حذفت همزته وعوض عنها الألف واللام ثم أدغمت اللام في اللام فقيل الله وعند البصريين دخلت عليه آل فصارت الإله فحذفت همزته غير قياس وعند الكوفيين أصله لاه دخلت عليه أل وقيل الله: اسم موضوع كأسماء الأعلام لا اشتقاق له وهو مذهب أهل الحق فهو مختص به تعالى ابتداء ومما يدل عليه أن غيره من الأسماء نقل عن العرب اشتقاقاتها إلا هذا الاسم الكريم لا قبل الرسول ولا بعده وهو جامع لصفات الألوهية والربوبية ولذا كان أعظم التسعة والتسعين اسما لدلالته على الذات الجامعة لجميع الصفات وقد رئي الخليل بن أحمد بعد موته فقيل له ما فعل الله بك فقال غفر لي بقولي في اسمه تعالى إنه غير مشتق وذكر بعضهم أنه الاسم الأعظم وقد ذكر في الكتاب العزيز في الفين وثلاثمائة وستين موضعا واختار النووي تبعا لجماعة أن الاسم الأعظم هوى الحي القيوم قال ولذا لم يذكر في القرآن إلا في ثلاثة مواضع في البقرة وآل عمران وطه لكن كون اسمه تعالى الأعظم الذين هو المختص به وهو الله أظهر فتدبر والخلق بمعنى المخلوق من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول واللام فيه للاستغراق أي إله جميع المخلوقات وهي ما سواه تعالى والمولى من الولاء وله نيف وعشرون إطلاقا مدلولها غالبا من حصلت منه النعمة كالرب والمالك والسيد والمنعم والناصر والمعتق بالفتح والعبد المنعم عليه وقد تكون من الطرفين كالجار وابن العم والحليف والصهر ومن اختص بها كالأولى بالشئ وقد أطلقه بعضهم على كل من ولي أمرا ويصح ههنا إرادة أحد الخمسة الأولى والقديم ههنا هو الذي لم يسبق بعدم فهو في حقه تعالى سلب العدم السابق على الوجود أو عدم الأولية لوجوده إذا العدم عبارة عن نفي السبق لأنه تعالى لو لم يكن قديما لاقتضى محدثا واحتاج هذا المحدث أيضا إلى محدث وهكذا فيدخل التسلسل وهو محال أو ينتهي إلى صانع قديم محدث للكل وذلك هو المطلوب الذي سميناه قديما صانع العالم وخالقه ومبدعه وإذا ثبت أنه قديم لا أول له فاعلم أنه أبدي لا نهاية له مستمرا لوجود لا آخر له قيوم لا انقطاع له دائم لا انصرام له لا يقضى عليه بالانفصال وتصرم الآباد وانقراض الآجال إذ ما ثبت قدمه استحال عدمه فهو متضمن لصفة البقاء وعدم سبق العدم في حقه تعالى وأما القدم الزماني في حق غيره تعالى فهو حادث مسبوق بالعدم وذلك محال في حقه تعالى قال تعالى والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون

Page 8

القديم * إنك لفي ضلالك القديم أي في خطاك الذي حدث لك في الزمن السابق من إفراطك في محبته ورجاء لقائه قال بعضهم أقل زمن يوصف به زمن القدم الزماني الحادث حول فلو علق حرية القديم من عبيده أو أوصى بعتقه عتق من له حول في ملكه وأوصاف الكمال أراد بها الثبوتية والسلبية إذ نفي النقايص كمال كما أن الوصف بالكمال كمال إذ لو لم يتصف بذلك لاتصف بأضداده وهي نقايص لكن الثاني طاهر الاستحالة لأنه من أمارات الحدوث وأفاد بقوله وموصوف إلى أنه ليس بصفة لظهور استحالته قال المقدسي رحمه الله ودليل كونه موصوفا لا صفة أنه لو كان صفة لاستحال قيام المعاني به ولو لم تضم به الصفات التي هي معان لاستحال اتصافه لكنه قد اتصف بأحكام الصفات فوجب أن يكون موصوفا بالمعاني الموجبة لتلك الأحكام الواجبة له شرعا وعقلا وكما يجب وصفه بأوصاف الكمال يجب تنزيهه عن النقايص الإعراب إله الخلق مضاف ومضاف إليه مبتدأ وفائدة الإضافة فيه نفي الاشتراك ومولانا بدل وهو الأظهر من كونه عطف بيان كما لا يخفى على ذوي الأذهان وقديم خبر وموصوف عطف على الخبر وبأوصاف متعلق بموصوف وإضافته إلى الكمال بيانية وقيل على معنى اللام وقيل للتخصيص (وحاصل معنى البيت) يقول عبد الله إن المعبود بحق الخالق لجميع المخلوقات كلها وهو الله تعالى قديم واجب القدم والوجود بالذات واجب البقاء أبدا وكمال الصفات لا يجري عليه عدم سابق ولا لاحق تتمة قال الرازي خلق الله الخلق بعلمه وقدرهم إقدارا وضرب لهم آجالا لم يخف عليه شئ بعد أن خلقهم وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم ومن قال إنه لم يكن خالقا قبل أن يخلق الخلق فلما خلق الخلق صار خالقا فقد كفر انتهى قال علي القاري ثم الخلق من صفات الأفعال وهي قديمة عندنا فإنه تعالى كان خالقا قبل أن يخلق الخلق خلافا للأشاعرة فما قال شارح من أن من قال إنه لم يكن خالقا قبل أن يخلق الخلق فقد كفر نشأ من جهله بتحقيق المرام انتهى وظاهر أنه أراد به ما قدمنا عن الرازي لكنه لم يبين تحقيق المرام ونحن نقول بعون الملك المنان إن حاصل هذا على ما سيأتي راجع إلى مسألة التكوين وهو المعنى الذي يعبر عنه بالفعل والخلق والتخليق والإيجاد والاختراع ونحو ذلك وقد أثبته الحنفية صفة حقيقة قديمة مغايرة للقدرة والإرادة وفسروه بإخراج المعدوم من العدم إلى الوجود وعبروا عنه بالخلق والتخليق ونحوهما وهو وصف له تعالى أزلي لإطباق العقل والنقل على أنه تعالى خالق للعالم مكون له قال تعالى الله خالق كل شئ فقد وصف ذاته في كلامه القديم الأزلي بأنا الخالق فلو لم يكن متصفا في الأزل بكونه خالقا لزم الكذب في كلامه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ولامتناع

Page 9

إطلاق الاسم المشتق إطلاقا حقيقيا من غير أن يكون مأخذ الاشتقاق وصفا له قائما به حال الإطلاق ومذهب الأشعري إن التكوين من الإضافات والاعتبارات العقلية مثل كون الصانع تعالى قبل كل شئ ومعه وبعده ومحييا ومميتا ونحو ذلك والحاصل في الأزل مبدء التخليق والترزيق والإحياء والإماتة وغير ذلك وتكوينه للعالم ولكل جزء من أجزائه لا في الأزل بل لوقت وجوده على حسب علمه في الأزل وإرادته فالتكوين ثابت أزلا وأبدا والمكون حادث لحدوث التعلق كما في العلم والقدرة وغيرهما من الصفات القديمة التي لا يلزم من قدمها قدم متعلقاتها فافهم وسيأتي له زيادة تحقيق قال السعد رحمه الله في شرح العقائد ينبغي للعاقل أن يتأمل في أمثال هذه المباحث ولا ينسب إلى الراسخين من علماء علم الأصول ما يكون استحالته بديهية ظاهرة لم له أدنى تمييز بل يطلب لكلامه محملا يصلح محلا لنزاع العلماء فإن من قال التكوين عين المكون أراد أن الفاعل إذا فعل شيئا فليس هناك إلا الفاعل والمفعول وأما المعنى الذي يعبر عنه بالتكوين والإيجاد ونحو ذلك فهو أمر اعتباري يحصل في الفعل من نسبة الفاعل إلى المفعول وليس أمرا محققا مغايرا للمفعول في الخارج ولم يرد أن مفهوم التكوين هو بعينه مفهوم المكون ليلزم المحالات ثم قال ولا يتم إبطال هذا الرأي إلا بإثبات أن تكون الأشياء وصدورها عن الباري تعالى يتوقف على صفة حقيقية قائمة بالذات مغايرة للقدرة والإرادة والتحقيق إن تعلق القدرة على ووفق الإرادة بوجود المقدور لوقت وجوده إذا نسب إلى القدرة يسمى إيجادا وإذ نسب إلى الخالق يسمى الخلق والتكوين ونحو ذلك فحقيقة كون الذات بحيث تعلقت قدرته بوجود المقدور لوقته ثم يتحقق بحسب خصوصيات المقدورات خصوصيات الأفعال كالترزيق والتصوير والإحياء والإماتة وغير ذلك إلى ما لا يكاد يتناهى وأما كون كل من ذلك صفة حقيقية أزلية فمما تفرد به بعض علماء ما وراء النهر وفية تكثير القدماء جدا وإن لم تكن مغايرة والأقرب ما ذهب إليه المحققون منهم أن مرجع الكل إلى التكوين فإنه إن تعلق بالحياة يسمى إحياء وبالموت إماتة وبالصورة تصويرا وبالرزق ترزيقا إلى غير ذلك فلكل تكوين وإنما الخصوص بخصوصية المتعلقات انتهى فعلم أن في التكوين والترزيق والخلق وغيرها مذاهب ثلاثة (الأول) إن كل واحد من تلك الصفات صفة حقيقية أزلية قائمة بذاته تعالى كالعلم والحياة والقدرة وغيرها من الصفات (والثاني) إن كل واحد منها عبارة عن تعلق القدرة بوجود المقدور لوقت وجوده فيكون من قبيل الصفات الإضافية لا من قبيل الصفات الحقيقية (الثالث) إن التكوين صفة أزلية حقيقية قائمة بذاته تعالى وإن التصوير والترزيق والإحياء والإماتة يحصل من تعلق التكوين بالمكونات على وجه مخصوص وهو مذهبنا قال ملا رمضان الأقرب إلى الحق من هذه المذاهب

Page 10

الثلاثة هو المذهب الثالث دون الأول والثاني فافهم والله أعلم قال الناظم رحمه الله 3 هو الحي المدبر كل أمر * هو الحق المقدر ذو الجلال الحي من ثبت له الحياة وهو ضد الموت قال الله تعالى هو الحي لا إله إلا هو * الله لا إله إلا هو الحي القيوم والحياة صفة من شأنها حصول العلم ونحوه لم قامت به وهي في حقه تعالى صفة أزلية قديمة من صفات الذات ولا تعلق لها كما سيأتي والمدبر اسم فاعل من التدبير وهو لغة التأمل والتفكر في إيقاع الفعل وفي حقه تعالى تنزيل الأمور في مراتبها على أحكام عواقبها حسب ما سبق به علمه الأزلي فهو شؤون يبديها ولا يبتديها قال الله تعالى يدبر الأمر من السماء إلى الأرض وكل هنا كلية لا كل ولا كلي والأمر يطلق حقيقة على القول ومجازا على الفعل قال تعالى وشاورهم في الأمر، أي الفعل الذي تعزم عليه فهو في كلام الناظم مجاز شايع لإطلاقه على كل ما يفعل والأظهر أن يراد بالأمر ههنا الأعم من القول والفعل فيكون الشئ إذ كلها تدبيره تعالى فمعنى المدبر كل أمر أي الموقع كل شئ على قدر مخصوص في وقت مخصوص بقضائه وقدره حسب ما سبق في علمه والحق لغة الثابت من حق الشئ إذا ثبت والمراد في حقه تعالى الثابت الوجود على وجه الوجوب وهو من أسمائه تعالى وله إطلاقات فيطلق على الدين الثابت في الذمة والمطالبات والأمر العظيم الشأن والأقوال والعقائد والأديان والحكم المطابق للواقع وغير ذلك بخلاف الصدق فإنه شاع في الأقوال خاصة ويقابله الكذب والحق يقابله الباطل والمقدر بكسر الدال موجد الأشياء على قدر مخصوص وتقدير معين في ذواتها وأحوالها فهو اسم فاعل من قدر يقدر فهو مقدر وهو من له القدرة على ذلك وهي صفة تخالف العجز وتؤثر في الشئ عند تعلقها به لكن تعلقها به مرتب على تعلق الإرادة وتعلق الإرادة مرتب على تعلق العلم ولا قصور في عدم تعلق الإرادة والقدرة بالواجب والمستحيل إذ لو تعلقا بهما لزم القصور لأنه يلزم على هذا أن يجوز تعلقهما بانعدام أنفسهما بل وإعدام الذات العلية وإثبات الألوهية لمن لا يقبلها من الحوادث وسلبها عمن تجب له وهو المولى جل وعلا وآي نقص وفساد أعظم من هذا وذو ههنا بمعنى الصاحب والجلال العظمة والاستغناء المطلق لوسع مجده وعلاه وسلطان ملكوتيته على ما سواه ويشمل ذلك الصفات الثبوتية والسلبية وإنكار المعتزلة ثبوت العلم والقدرة والحياة ونحوها من سائر أوصاف الكمال وقولهم إنه لا يوصف بها لأنه لا يخلوا إما أن تكون قديمة فيتعدد القدماء أو حادثة فيكون محلا للحوادث فهو قول باطل مردود بالأدلة القطعية لأنه وصف ذاته المقدسة متمدحا بها قال تعالى إن الله هو الرزاق * أنزله بعلمه * ولا يحيطون بشئ مه علمه * هو الحي

Page 11