4
فيملأ عبيد آخرون أكوابا وقرونا للشرب، ويرفع الستار في آخر الأمر فيخر الحضور للنجاشي ساجدين، وهكذا تشد في يوم واحد مشاعر ثلاثين ألفا من الرعايا الأوفياء.
ورئيس التشريفات أكثر رجال الحبشة هما؛ وذلك لأن الألوف من كبار الموظفين هم في دور الانتظار بحكم المقام والوسام، وإلى أي مدى يكون صدر النجاشي مجردا، وما هو المقدار الذي يجب أن يكون به بدن الأعيان كاسيا؟ وما هو عدد الدفافين
5
والطبالين الذين يجوز أن يتقدموا أحد الموظفين في الطريق؛ أي إلى أي مدى يحق لموسيقاه أن تكون صاخبة، وإلى أي درجة يجب أن تكون موسيقى الموظف التابع أقل ضجيجا؟ ومن ذا الذي يحق له أن يلبس سروالا كسروال النجاشي أو مماثلا لسراويل الوزراء؟ ومن ذا الذي يكون على مقبض سيفه شبه لوح معدني؟ ومن هم أصحاب الامتيازات الذين يستطيعون أن ينتحلوا بعض الألوان لمعاطفهم ومظالهم؟ هذه هي المسائل التي تشغل بال الأشراف في طول البلاد وعرضها، وهي مصدر كل سلطان، وبفضل علامات الشرف هذه يتمتع بملاذ الحياة.
وتبصر على ذورة الهرم الحبشي إمبراطورا واحدا، وتبصر ألوف العبيد دونه. والواقع أن الحجارة في الهرم يثقل بعضها على بعض، فعلى المرء أن يسعى ليكون فوق غيره إذن. على أن النجاشي إذا ما أراد أن يكون عادلا لم يسطع أن يرى كل شيء، فالجبال أعلى من هرمه، ولم يحدث حتى الآن أن بحث رجل أبيض بحثا عميقا عن لصوصية الإقطاعيين في المدن والقرى والمراعي وضفاف الأودية العليا، وعن الأساليب الجديرة بالقرون الوسطى فيعيش بها الأمراء والشرفاء والقساوسة على حساب مرءوسهم، وليس للضباط والموظفين شهريات أو لا يقبضون غير رواتب هزيلة فتجدهم ينهبون الشعب مع ازدرائهم إياه كازدراء الشعب لفقراء الضباط والقسوس، ومما يروى أن راسا أمر وهو يحتضر قائلا: «ادفنوني مع ترك ذراع لي خارج التراب حتى أستطيع أن أجبي ضرائب.»
ومن ذا الذي يشعر بحافز نفسي إلى العمل في هذه الدولة التي لا يكون غير الموظفين أصحاب مال فيها؟ وكل شيء هنالك خاص بالنجاشي، والنجاشي لا يقطع المقربين أرضا إلا لكي يجمعوا ضرائب عالية، ومثل هذه الضرائب لا تجبى في بلد سيئ الزراعة كذلك البلد إلا بالإغضاء عن اللصاص
6
والنخاسة، ولا تجد غنيا يشتغل هنالك، وتجار المسلمين وحدهم - وهم أوسع حيلة من النصارى - ينالون بعض الربح من السلع التي يصدرها النجاشي كالعاج والبن والشمع والجلود؛ أي ما تعدل قيمته ثلاثين مليون دولار
7
Unknown page