50

Nayazik Fi Tarikh

النيازك في التاريخ الإنساني

Genres

ومن ثم فإن الاهتمام بالنيازك وتأملها قاد إلى تطور الفكر العلمي عبر العصور، كما أن الأخطار التي يمكن أن تنشأ عن ارتطام النيازك العملاقة بالأرض تجعل دراستها من الأمور الحتمية؛ إذ يراقب الباحثون تحركاتها، من خلال المناظير الضخمة التي أنشئت خصيصى لهذا الغرض، بغية اكتشاف وسيلة لدفعها بعيدا عن المدارات الخطرة، التي تهدد الأرض، أو تدميرها قبل سقوطها على الأرض، أو محاولة تقليل أخطارها الكبيرة. (1) النيازك وفهم أعمق للأرض

أسهمت دراسة النيازك إسهاما كبيرا في تطور الفكر العلمي عبر العصور. وأسهمت دراسة النيازك في العصر الحديث إسهاما لا يمكن إغفاله في مجال فهم طبيعة الأرض، خاصة تلك المفاهيم الخاصة بمكونات الأرض الداخلية. وقاد فهم بنية النيازك الداخلية، بعد تطور عمليات دراستها بداية من النصف الثاني في القرن التاسع عشر، إلى فهم طبيعة وبنية التركيب الداخلي للأرض، الذي لا يمكن دراسته بطريقة مباشرة. وقبل دراسة النيازك، كان ينظر للأرض على أنها كرة هائلة من الجرانيت، تمتد من القشرة الأرضية (سطح الأرض) إلى القلب أو المركز، الذي يوجد على عمق 6370كم. ففي عام 1866م وضع الباحث «دوبري»

Daubrée

نظريته عن مكونات الأرض الداخلية، التي توقع فيها أن الأرض لا بد وأنها تتكون من نطاقات مختلفة التركيب، من بينها وجود لب أو قلب مكون من سبيكة من الحديد والنيكل (مثل النيازك الحديدية)، ووشاح مكون من معادن سيلكات أثقل في مكوناتها من مكونات القشرة الأرضية، بناء على النتائج التي حصل عليها الباحثون، من خلال الدراسات المعدنية والكيميائية التي أجريت على النيازك،

3

والتي بينت أنها عبارة عن ثلاثة أقسام رئيسية؛ حديدية، وحجرية، وحديدية-حجرية. وبما أن النيازك كانت على حسب الفروض السائدة آنذاك (وما زالت قائمة مع فروض أخرى الآن)، تمثل شظايا كوكب كان يدور حول الشمس بين المريخ والمشتري، وانفجر وتشظى إلى قطع متفاوتة الأحجام (حزام الكويكبات) فإن الأرض لا بد وأن تكون ذات بنية نطاقية، شأنها شأن الكوكب الذي تشظى وصار مصدرا لهذه القطع، التي تسقط على الأرض على هيئة نيازك. وقد أثبتت الدراسات الجيولوجية، والجيوفيزيقية، التي أجريت بعد ذلك على مكونات الأرض الداخلية؛ أثبتت بالفعل دقة ما خلص إليه «دوبر»، وأيدت رأيه عن البنية النطاقية للأرض، التي تتكون من ثلاثة نطاقات رئيسية متباينة في المكونات الكيميائية والخصائص الطبيعية، هي: القشرة الأرضية وتمتد من سطح الأرض حتى عمق 40كم، والوشاح الذي يبدأ من 40كم حتى عمق 2900كم، ويقسم إلى وشاح علوي (من 40 إلى 410كم)، ووشاح انتقالي أو ووسط (من 410 إلى 1000كم)، ووشاح سفلي (من 1000 إلى 2900كم)، والقلب

Core

الذي يبدأ من عمق 2900كم إلى 6370كم، ويقسم قلب علوي (من 2900كم إلى 4980كم)، ونطاق انتقالي (من 498 إلى 5120كم)، وقلب سفلي (من 5120 إلى 6370كم). (2) النيازك والحياة خارج الأرض

وفيما يخص قضية احتمال وجود حياة خارج الأرض، يتطلع الباحثون للنيازك علها أن تسهم في إلقاء الضوء على هذا الموضوع الذي شغل بال الناس منذ قديم الزمن. فبعدما لم تعد الأرض - في نظر العلماء - مركزا للكون؛ وبالتالي فإنهم ينفون عنها أية خصوصية. فلماذا إذن تختص الأرض بالحياة، دون غيرها من الكواكب الأخرى التي يعج بها الكون؟! وتأتي الكشوف الحديثة عن اتساع الكون لتعطي زخما لهذا الاتجاه؛ فالأرض كوكب من كواكب الشمس، والشمس نجم من بين بلايين النجوم في مجرة درب اللبانة أو التبانة، والمجرة واحدة من بلايين المجرات في الكون، لكن ربما يكون الأمر على عكس ما يتصور البعض؛ فالأرض رغم أنها ليست مركزا للكون، إلا أنها ذات خصوصية فريدة؛ من حيث موقعها من الشمس الذي يجعلها تستقبل حرارة مناسبة، وحجمها وكتلتها وكثافتها وجاذبيتها، تجعلها ذات وضعية فريدة بين كواكب المجموعة الشمسية. وكل هذه الخصائص تجعلها مناسبة للحياة التي نعرفها، ولكن من الممكن أن يوجد ضمن بلايين المجرات في الكون كواكب شبيهة بالأرض، يمكنها أن تحتضن الحياة.

وينبغي أن تسهم النيازك بدور مهم في الإجابة عن ذلك السؤال؛ فالنيازك تأتي من مواقع أخرى غير الأرض، ولو كانت هناك حياة، فإن آثارها لا بد وأن تكون موجودة داخل النيازك. إذن من الممكن أن تجيب النيازك بالنفي أو الإيجاب عن وجود حياة على المصادر التي تأتي منها. وبالطبع لا يتوقع أحد أن توجد حياة على حزام الكويكبات أو المذنبات التي تأتي منها أغلب النيازك. رغم أن بعض الباحثين يزعمون أن الحياة جاءت الأرض من الفضاء الخارجي عبر المذنبات. ويبقى القمر والمريخ من بين المصادر التي يمكن أن تختبر النيازك في الإجابة عن السؤال: هل قامت عليهما حياة في الماضي البعيد؟! من المعروف أن القمر حاليا لا يمثل بيئة صالحة لقيام الحياة أو استمرارها، لكن لا يمنع ذلك من احتمال قيامها في الماضي البعيد واندثارها. أما المريخ، فربما توجد عليه حياة بدائية الآن، أو ربما قامت عليه حياة في الماضي البعيد ثم اندثرت. لا شك أن الموضوع برمته موضع إثارة؛ فمن حين لآخر تظهر تقارير عن اكتشاف آثار حياة داخل أحد النيازك، ويأخذ الموضوع حيزا من الدعاية، ثم يخبوا كما لو لم يكن؛ ففي سبعينيات القرن العشرين، ظهر اهتمام كبير بموضوع وجود مركبات عضوية في النيازك الكربونية، فسرت على أنها تمثل ارتباطا بأشكال معينة من الحياة، لكن ظهرت دراسات مضادة، تعزى وجود مثل هذه المركبات إلى عمليات كيميائية، وليس إلى عمليات حيوية.

Unknown page