155

Napoleon Fi Misr

نابوليون بونابارت في مصر

Genres

1

طلب من تالليران أن يذهب إلى الآستانة، وبرح نابوليون فرنسا وهو معتقد بصدق وعود تالليران ولكن الأول لم يدرك أن الثاني كان أكثر منه دهاء وخبثا؛ لأنه تركه يرحل لمصر وهو عارف بما ستؤدي إليه نتائج تلك الحملة، وبقي في باريس و،خدع بذلك أحد أعضاء الديركتوار الذي كان يتطلع إلى منصب وزارة الخارجية.»

ومع ذلك فإن تالليران لم ينس أن يكلف سفير الجمهورية الفرنسية في الآستانة أن يبذل نفوذه للتأثير على الباب العالي لأجل منعه عن الانضمام إلى إنكلترا وروسيا، فقد رأيت في كتاب المرحوم سرهنك باشا «حقائق الأخبار في دول البحار» وهو في هذا ناقل عن المصادر التركية قوله: «إن الدولة العلية أخذت تسعى في استرجاع مصر، وإخراج نابوليون منها بالقوة رغما عن المساعي التي أجراها مسيو روفن

Ruffin

سفير فرنسا لدى الباب العالي لإقناع الدولة وجعلها تعتبر حركات بونابرت حبية لا عدائية؛ لأن الدولة وقتئذ عدت ذلك بمثابة إعلان حرب من فرنسا عليها وسجنت السفير روفن المذكور في «يدي قلله» مع باقي الفرنساويين المقيمين في القسطنطينية كالعادة، ثم أخذت تجهز جيوشها وأساطيلها وعقدت لذلك معاهدات دفاعية مع دولتي الروسيا وإنكلترا على يد مندوبها المسمى عصمت بك أحد الصدور العظام وعاطف أفندي رئيس الكتاب.»

ونحن لا نحتاج إلى تذكير القارئ بأن إنكلترا لما اتفقت مع الدولة العثمانية على محاربة فرنسا في مصر، إنما كانت تنفذ خطتها السياسية، وتقاليدها الأساسية، وهي أن لا توجد على ضفاف النيل دولة قوية؛ تلك السياسة التي ظهرت واضحة جلية في جميع حوادث القرن التاسع عشر الميلادي بمصر، من إخراجها الفرنسيين من هذه الديار، وبمقاومتها محمد علي باشا وإضعاف دولته وخضد شوكته، وفي مقاومة إنشاء قناة السويس، وفي مساعدتها إسماعيل باشا على الإسراف، وباتخاذ ديون مصر وسيلة للتدخل في شئون البلاد، وإلهابها شرارة الثورة العرابية توسلا لاحتلال مصر.

وأما روسيا التي لم تكن في ذلك الحين قد رسمت سياستها الآسيوية تلك السياسة التي حولت بها وجهها شطر التوسع في آسيا والتطلع إلى الهند، فإنها لعداواتها للجمهورية الفرنساوية، وخشيتها من انتشار أفكار الثورة الفرنسية في البلاد الروسية، رضيت أن تدخل في اتفاق مع عدوتها تركيا وإنكلترا لإخراج فرنسا من أرض مصر، وهكذا السياسة دائما تعادي وتصافي للمصلحة قبل كل شيء.

بدأت تركيا حربها ضد فرنسا باحتلال الجزر اليونانية الواقعة في بحر الادرياتيك وكان نابوليون، لما قهر جمهورية فينيسيا«البندقية»، احتل تلك الجزر وضمها إلى الجمهورية الفرنساوية، قال سرهنك باشا في كتابه المشار إليه «وصلت الدوننما الروسية من البحر الأسود إلى الآستانة وانضمت إليها الدوننما العثمانية، ثم أقلع الأسطولان سوية من البوغاز وقصدا بحر الادرياتيك، واستوليا على البلاد التي كانت فرنسا واضعة يدها عليها هناك بمساعدة دلنلي علي باشا، وبعد أن تم لها ذلك شكلت الدولة الروسية هناك جمهورية مكونة من عدة جزائر يونانية عرفت بجمهورية الجزائر السبع، وكفت الدولة وقتئذ أحمد باشا الجزار والي عكا أن يبعث جيشا لاحتلال العريش.»

ويرى القارئ، من الشذرات التي نقلناها واعتمدنا عليها من كتاب سرهنك باشا، التمرق بين ما يكتبه في التاريخ أهل المعرفة والاطلاع وذووالإلمام بلغة أو بلغتين من اللغات الأجنبية، وبين ما يكتبه في هذا الفن من لا يكلف نفسه مشقة الفحص والتمحيص، وينقل من الكتب العربية أغلاطها، ويقع فيما وقع عليه فيه كتابها عن جهل قهري، فالجبرتي مثلا إنما يعتمد عليه في الأمور المحلية والحوادث الوقتية اليومية، ولكن معرفة الأمور الخارجية والمسائل السياسية تحتاج للرجوع إلى الكتب التركية أو الأوروبية إجمالا، ولقد وقع سرهنك باشا في كتابته عن هذه الفترة في أغلاط جمة وبما أشرنا إليها في سياق الكلام.

ولنعد إلى تاريخ حملة نابوليون على سورية فنقول: ذكر نابوليون في مذكراته التي أملاها على الجنرال برتران في سانت هيلانة أنه لو بقي الفرنساويون في مصر ينتظرون في الغارة عليها من البحر والبر لعرضوا أنفسهم لأخطار كبيرة لا قبل لهم بها، ولذلك صمم نابوليون على مهاجمة أعدائه قبل أن يهاجموه، وبدأ في تجهيز الحملة على سورية، وكان نابوليون يؤمل أن ينضم إليه مسيحيو سوريا ودروز جبل لبنان لما يقاسيه أولئك من ظلم الجزار وقبائحه، وكان من جهة أخرى يصور لنفسه إمكان تأليف جيش كبير من أهالي سوريا ليسير بهم إما شمالا إلى الآستانة وإما جنوبا بشرق إلى بلاد فارس والأقطار الهندية ليعيد ذكرى الإسكندر المقدوني ويتوج قيصرا على كل هاتيك الممالك والأصقاع، فقد جاء في مذكرات «بوريين» أن نابوليون التفت إليه وهما سائران بالقرب من الشاطئ أمام عكا وقال:

Unknown page