وكل هذه المصائب التي أراها معلقة بيدك لتسقط على الألفة الوطنية إنما مركزها في ذوقك وأصلها من عواطفك.
أيتها الغادة، إن كاتب هذه السطور لهو سوري لبناني من أبيه، وأجنبي إفرنجي من أمه، إن الذي يكلمك الآن بالعربية لم يسمع غير الإفرنسية، حتى نهاية طفولته رضع لغة الفرنسيس مع اللبن، ولم تغمض أجفانه في السرير إلا على أناشيد تلك اللغة.
نعم أيتها القارئة العزيزة، لكنت أحق الناس أو أقربهم إلى المعذرة لو «تقبعت» وتفرنجت، ولكنني أعد ناكر الوطنية خائنا، والمتبرر من شعبه الضعيف جبانا، وأنا لا أريد أن أوسم بالخيانة والجبن، طربوشي شعار عثمانيتي التي أفتخر بها، فلا أبدله بقبعة سفير، وسوريا بلادي، شعبها الضعيف أخي، فأحب إلي أن أكون ضعيفا معه من أن أكون قويا مع الشعب الذي تقربني صلة الرحم إليه، ولو لم يكن اسمي ذكرا لوالد أمي أحفظه كإرث مقدس، لكنت استبدلته باسم أمين دون أن أجعله «فيدال» أو ببطرس دون قلبه «بيينار» أو بحبيب دون تحويله إلى «آمه»، كما يفعل شبان العصر الذين يستحون بطربوشهم وبلغتهم حتى وبأسمائهم أيضا.
أيتها الغادة، أنت التي تحولين شبان العصر إخوتي إلى قردة يتقلدون ولا يفهمون.
أنت تنادين يوحنا باسم جان فيلذ له ما يخرج من فمك فيقلب اسمه، أنت التي تجدين القبعة أجمل من الطربوش فيجاري ذوقك، أنت التي تكلمينه بالإفرنسية والإنكليزية بنصف اللسان الذي تعلمته فينسى بالكلمة التي تخرج من مبسمك كل الكلمات التي ناغته بها أمه وهو على السرير، لا تحنقي ياغادة سوريا، أنا لا أكتب متحاملا، فالذي أخطه هو نتيجة اختبار طويل وتأمل عميق، وجدتك يا أختي بكل مقام وحالة؛ رأيتك غنية وتمعنت فيك فقيرة، حادثتك متعلمة واختبرتك جاهلة، فعلمت من كل هذا البحث أنك لست سورية مرتقية لعلة اندفعاك وراء التمدن الكاذب، ولست أوربية بالغة مبلغ هذا الشعب من الارتقاء؛ لأنك خلقت لغير هذا التمدن ولغير هذا النوع من التهذيب.
كلمتك بالإفرنسية فملئت أسماعي من ذكر هيكو ولامارتين وإسكندر دوماس، وحين سألتك أبسط الأمور عنهم اتضح لدي ما تعرفين، وانجلى لباصرتي زيف التقليد!
كلمتك بالعربية فخلطت نصف جوابك بالإفرنجي، حادثتك عن لغة بلادنا ففتحت عينيك بدهش، وارتسمت على شفتيك ابتسامة احتقار دون أن تفهمي شيئا، وكان جوابك: «ماذا تفيدني اللغة العربية؟ أنا لم أجتهد بها، وفي المدرسة لا يعلموننا أكثر من ساعة مبادئ القراءة العربية فقط.»
أيتها الغادة، إذا كانت لغة بلادك لا تنفعك؛ لأنها تحمل في الوطن نسمة الارتقاء واستقلال الأمة بتمدنها الصحيح، إذا كانت هذه اللغة أدنى من أن يتنازل إليها عقلك السامي، فتكرمي بالجواب غير مأمورة: أية فائدة ترجينها من وراء اللغات الأجنبية؟
أتريدين الاستخدام أنت أيضا في إدارات الأجانب؟ أتريدين معاطاة القومسيون أنت أيضا لاستنزاف هذا الموطن الأجرد؟ ألا يكفي أن نصف رجالنا أصبحوا عبيدا تدفعهم الضرورة إلى دفع الألفة للعبودية حتى تصبحي أنت يا غادة سوريا، وأنت رابطة الوطن، أول من يحل هذه الرابطة المقدسة.
لقد يخطر على بالك أن تجاوبي: إن المجتمعات في الصالونات تستوجب أن يعرف الإنسان لغة الإفرنج، وهذا من ضرورات التمدن.
Unknown page