ولقيت هذه المماثلة بين الأخلاق من جهة والهندسة من جهة أخرى تأييدا قويا على يدي سبينوزا (1632-1677م)، الذي أخرج كتابه «الأخلاق»
7
على غرار كتاب الهندسة لإقليدس خطوة خطوة؛ فتراه يبدأ - كما يبدأ إقليدس - بطائفة من تعريفات، ثم يعقب عليها بمجموعة من البديهيات، وبعد ذلك يستنتج ما يترتب على تعريفاته وبديهياته من نتائج. وهكذا جاء سبينوزا متمما للمذهب السقراطي في منهج الأخلاق وإقامته على أساس المنهج الرياضي حتى ينتهي الأمر في كلتا الحالتين إلى نتائج مطلقة الصدق؛ فلا فرق بين أن يأخذ الأستاذ بيد تلميذه في علم الهندسة خطوة خطوة حتى يتبين له في يقين أن كل مثلث مهما تكن صورته يمكن أن ترسم فيه دائرة تمس أضلاعه، لا فرق بين هذا وبين أن يأخذ الأستاذ بيد تلميذه في الأخلاق خطوة خطوة حتى يتبين له في يقين أيضا أن الوفاء بالعهد أمر محتوم مهما تكن الظروف القائمة؛ ففي كلا الأمرين يرتد التلميذ بمعونة أستاذه إلى مبدأ يدرك بالبداهة.
لكن الفضل يرجع بعد ذلك ل «كانت» في إبراز مشكلة هذه البديهيات نفسها، كيف أمكن للإنسان أن يحكم بصدقها على الواقع؟ إنه إذا كانت النظريات التي ينتهي إليها الاستنباط تستند في برهان صدقها على الأصل الذي استنبطت منه، فماذا نقول في هذا الأصل نفسه؟ وهنا يجيب «كانت» جوابه المشهور بأن بديهيات الأخلاق هي كبديهيات الرياضة وعلم الطبيعة على السواء، «تركيبية قبلية» معا؛ أي إنها تخبر عن العالم الخارجي، وفي الوقت نفسه يكون صدقها ضروريا عند العقل. وقد كتب «كانت» كتابه «نقد العقل الخالص» ليبين هذه الحقيقة بالنسبة لعلمي الرياضة والطبيعة، ثم كتب كتابه «نقد العقل العملي» ليبينها بالنسبة للأخلاق؛ ففي هذا الكتاب يوضح الفيلسوف كيف ترتد الأفعال الخلقية إلى بديهية أولية هي التي يطلق عليها اسم «الأمر المطلق»، وهو: «افعل بحث يصلح فعلك أن يكون مبدأ لتشريع عام.» أي إن الأمر المطلق يقضي بأن يفعل الإنسان أفعاله بحيث لو فعل كل البشر أفعاله هذه لما ترتب على هذا التعميم شيء من تناقض؛ فبناء على ذلك - مثلا - لا يجوز لإنسان أن يكذب؛ لأنه لو كذب الناس جميعا لانتفى أن يسمع أحد لأحد أو أن يثق أحد في أحد؛ وبالتالي يبطل المجتمع من أساسه. وليس لنا أن نسأل: ولماذا نطيع هذا الأمر المطلق ؟ والجواب هو: لأن طاعته هي نفسها طاعتنا للعقل؛ إذ إن الخروج على الأمر المطلق هو في الوقت نفسه وقوع في نتائج متناقضة، والعقل يأبى التناقض. الأمر المطلق في الأخلاق هو في منزلة البديهيات في الرياضة وفي علم الطبيعة، يرى العقل صدقها بحدسه، فيرى ذلك الصدق فيها أمرا ضروريا.
وهكذا يبلغ تشبيه الأخلاق بالعلوم، والتماس الأحكام اليقينية المطلقة فيهما معا على حد سواء، حده الأقصى على يدي «كانت»، ولكن فات «كانت» وغيره من الآخذين بضرورة الأحكام الخلقية أن هذه المماثلة بين الأخلاق والعلوم سينتهي بها الأمر إلى وبال على الأخلاق نفسها؛ فقد عرضنا على القارئ خلال هذا الكتاب كيف أظهر التحليل المنطقي الحديث استحالة أن تكون الجملة الواحدة تركيبية وقبلية في آن معا؛ لأنها إذا كانت تركيبية - أي إخبارية - فيستحيل أن تكون عندئذ ضرورية الصدق، وهي إذا كانت قبلية - أي ضرورية الصدق - فيستحيل أن تكون في الوقت نفسه حاملة خبرا عن العالم؛ فإن كانت قضايا العلوم الطبيعية تخبرنا عن العالم كيف تقع ظواهره، فليست تلك القضايا بضرورية الصدق؛ بمعنى أن العقل يمكنه أن يتصور قيام نقيضها؛ وإن كانت قضايا العلوم الرياضية ضرورية الصدق بمعنى أن العقل لا يمكنه تصور نقيضها، فهي لا تخبر أبدا بشيء عن العالم؛ وبناء على ذلك فإن المبدأ الأخلاقي إن كان شبيها بقضايا العلوم الطبيعية فليس هو ضروري الصدق، وإن كان شبيها بقضايا العلوم الرياضية في ضرورة صدقها فليس هو بالقائل عن عالم السلوك شيئا؛ وفي كلتا الحالتين لا يكون لمبادئ الأخلاق ما أراد لها الفلاسفة من صدق يقيني مطلق يفرض نفسه على كافة أفراد البشر في كل مكان وفي كل زمان.
كلا، ليست الأخلاق ومبادئها من قبيل المعرفة العلمية بنوعيها الرياضي والطبيعي؛ فهذه المعرفة لا تصاغ على صورة «أوامر» كما هي الحال في أوامر الأخلاق، وإن أصر الفلاسفة على أن يماثلوا بين الأخلاق وبين العلم، كانت النتيجة الحتمية لذلك زوال الأخلاق نفسها؛ لأننا عندئذ سنكتفي فيها بالعبارات الوصفية، ونخرج منها جانب الأمر؛ أي إننا نكتفي بأن نصف الطرائق التي يسلك بها هذا المجتمع أو ذاك في ظروف حياتهم المختلفة دون أن نصف هذه الطرائق بقيمة معينة فنقول إنها حسنة أو رديئة، مع أن صميم الأخلاق هو أن تكون معيارية؛ أي أن تضع للناس ما «ينبغي» أن يكون، لا أن تكتفي بمجرد وصف ما هو كائن، لكنها إن رسمت لنا ما «ينبغي» أن يكون فقد خرجت عن نطاق العلم الموضوعي ودخلت في نطاق آخر من الكلام، وهو الكلام الذي يعبر به الإنسان عن رغباته وآماله، وفي ذلك قد يختلف الناس دون أن يكون في اختلافهم تناقض يأباه العقل ومنطقه.
8
Unknown page