الثالث: في غرر الأدباء وملح الشعراء الألباء وحذى فيه حذو الريحانة والقلائد من التسجيع وعدم استكمال حال الشخص، وقد ولي لصاحب المواهب أعمالا جليلة، وقد مدحه صاحب الترجمة بغرر المدائح، وكتب مدح ولده المحسن وكان يحسن إليه غاية الإحسان، وولي كسمة بضم الكاف وإسكان السين المهملة وفتح الميم فبالتأنيث فهي من جمال تهامة فعمها عدله، وكان فيه كرم نفس وحياء ومكارم أخلاق، ثم ولاه القضاء بصنعاء فاستمر فيه وقرره الخلفاء عليه إلى أن توفي في الدولة المنصورية سنة ست وأربعين ومائة وألف، وكان محمودا فيه كثير الورع والتحرج عند الحكم والتباعد عنه والنفور عن قبول الهدايا.
وبالجملة فمحاسنه كثيرة رحمه الله تعالى، فمن شعره المنسجم قوله:
قد جرى منك ما كفى ... فاترك الصد والجفا
وارحم المغرم الذي ... قد غدا فيك مدنفا
سيدي والذي يراك ... جميلا مهفهفا
ما رأى الطرف في الورى ... منك أبهى وألطفا
من تقلب يذوب فيك ... وروح على شفا
لا تخف سيدي فتى ... ما تنحى عن الوفا
مغرم القلب ماله ... في سوى الوصل من شفا
آه مالي وللفراق ... براءتي وأتلفا
كلما رمت أن يزول ... تمادى وأسرفا
وقوله:
أغار عليك من نظري ... وإن بلغتني وطري
وأحسد خاطري من أن ... تمر عليه في فكري
بنفسي أنت من قمر ... علا عن بهجة القمر
وما قد حزت من هيف ... وقد كالقنا النظر
وطرف من لطافته ... استعارت نسمة السحر
جمعت محاسنا يا بد ... ر ما جمعنا في بشر
وقوله:
لما لا ترقوا سادتي ... وترحموا صبابتي
قد رق منها شامتيي
ويلاه من بدر دجا ... ظلت به هدايتي
وا طول شجوي منه كم ... قامت به قيامتي
صرت به متيما ... لا أرتجي سلامتي
مولها مدلها ... من للورى عيادتي
ويلاه قدمت أشياء ... ولم أنل لبانتي
وقوله:
بدرا على غصن عليه ... من المحاسن يرفع
تعنوا له كل البدور ... إذا رأته وتخضع
أضحت منازله القلوب ... بها يغيب ويطلع
يهفو له لب الحليم ... فيستفز ويطمع
Page 320