الباب الحادي والثلاثون في مناقب الصالحين وكرامات الأولياء ﵃
إعلم أن كرامات الأولياء لا تنكر ومناقبهم أكثر من أن تحصر، نسأل الله تعالى أن يحشرنا معهم في زمرة نبينا محمد ﷺ يوم المحشر إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
حكاية:
قال مالك بن دينار رحمه الله تعالى: احتبس عنا المطر بالبصرة فخرجنا نستسقي مرارا، فلم نر للإجابة أثرا، فخرجت أنا وعطاء السلمي، وثابت البناني، ويحيى البكاء، ومحمد بن واسع، وأبو محمد السختياني، وحبيب الفارسي، وحسان بن ثابت بن أبي سنان، وعتبة الغلام، وصالح المزني، حتى إذا صرنا إلى المصلى بالبصرة خرج الصبيان من المكاتب «١»، ثم استسقينا، فلم نر للإجابة أثرا حتى انتصف النهار وانصرف الناس وبقيت أنا، وثابت البناني بالمصّلى، فلما أظلم الليل إذا أنا بعبد أسود مليح رقيق الساقين عليه جبة صوف قوّمت «٢» ما عليه بدرهمين، فجاء بماء فتوضأ، ثم جاء إلى المحراب، فصلى ركعتين خفيفتين، ثم رفع طرفه إلى السماء وقال:
إلهي وسيدي ومولاي إلى كم تردّ عبادك فيما لا ينفعك، أنفذ ما عندك أم نقص ما في خزائنك، أقسمت عليك بحبك لي إلا ما أسقيتنا غيثك الساعة. قال: فما تم كلامه حتى تغيمت السماء وجاءت بمطر كأفواه القرب.
قال مالك: فتعرضت له، وقلت له: يا أسود أما تستحي مما قلت؟
قال: وما قلت؟ قلت قولك بحبك لي وما يدريك أنه يحبك؟
قال: تنح عني يا من اشتغل عنه بنفسه، أفتراه بدأني بذلك إلا لمحبته إياي؟ ثم قال: محبته لي على قدره، ومحبتي له على قدري.
فقلت له: يرحمك الله ارفق قليلا.
فقال: إني مملوك وعليّ فرض من طاعة مالكي الصغير. قال: فانصرف وجعلنا نقفوا أثره «٣» على البعد حتى دخل دار نخّاس «٤» .
فلما أصبحنا أتينا النخاس، فقلت: يرحمك الله. أعندك غلام تبيعه منا للخدمة؟ قال: نعم عندي مائة غلام للبيع، فجعل يعرض علينا غلاما بعد غلام حتى عرض علينا سبعين غلاما، فلم ألق حبيبي فيهم، فقال عودا إليّ في غير هذا الوقت، فلما أردنا الخروج من عنده دخلنا حجرة خربة خلف داره، وإذا بالأسود قائم يصلي، فقلت:
حبيبي ورب الكعبة.
فجئت إلى النخاس، فقلت له: بعني هذا الغلام، فقال: يا أبا يحيى: هذا الغلام ليست له همة في الليل إلا البكاء، وفي النهار إلا الخلوة والوحدة، فقلت له: لا بد من أخذه منك ولك الثمن، وما عليك منه، فدعاه، فجاء وهو يتناعس، فقال: خذه بما شئت بعد أن تبرئني من عيوبه كلها، فاشتريته منه بعشرين دينارا، وقلت له: ما اسمك؟ قال: ميمون، فأخذت بيده أريد المنزل، فالتفت إليّ وقال: يا مولاي الصغير: لماذا اشتريتني، وأنا لا أصلح لخدمة المخلوقين؟
فقلت له: والله يا سيدي إنما اشتريتك لأخدمك بنفسي، قال: ولم ذلك؟ فقلت: ألست صاحبنا البارحة بالمصلى؟ قال: بلى، وقد أطلعت على ذلك، قلت:
نعم، وأنا الذي عارضتك البارحة في الكلام بالمصلى.
قال: فجعل يمشي حتى أتى إلى مسجد، فاستأذنني ودخل المسجد، فصلى ركعتين خفيفتين، ثم رفع طرفه إلى السماء، وقال: إلهي وسيدي ومولاي، سرّ كان بيني وبينك أطلعت عليه غيرك، فكيف يطيب الآن عيشي.
أقسمت عليك بك إلا ما قبضتني إليك الساعة، ثم سجد، فانتظرته ساعة، فلم يرفع رأسه، فجئت إليه وحركته، فإذا هو قد مات رحمة الله تعالى عليه.
قال: فمددت يديه ورجليه، فإذا هو ضاحك مستبشر، وقد غلب البياض على السواد ووجهه كالقمر ليلة البدر، وإذا شاب قد دخل من الباب، وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أعظم الله أجورنا وأجوركم في أخينا ميمون، هاكم الكفن، فناولني ثوبين ما رأيت مثلهما قط، فغسلناه وكفناه فيهما ودفناه. قال مالك بن دينار: فبقبره
1 / 157
الباب الثاني في العقل والذكاء والحمق وذمه وغير ذلك
الباب الخامس في الآداب والحكم وما أشبه ذلك
الباب الثامن في الأجوبة المسكتة والمستحسنة ورشقات اللسان وما جرى مجرى ذلك
الباب الحادي عشر في المشورة والنصيحة والتجارب والنظر في العواقب
الباب الثاني عشر في الوصايا الحسنة والمواعظ المستحسنة وما أشبه ذلك
الباب الرابع عشر في الملك والسلطان وطاعة ولاة أمور الإسلام وما يجب للسلطان على الرعية وما يجب لهم عليه
الباب الخامس عشر فيما يجب على من صحب السلطان والتحذير من صحبته
الباب السادس عشر في ذكر الوزراء وصفاتهم وأحوالهم وما أشبه ذلك
الباب السابع عشر في ذكر الحجاب والولاية وما فيها من الغرر والخطر
الباب التاسع عشر في العدل والإحسان والإنصاف وغير ذلك
الباب العشرون في الظلم وشؤمه وسوء عواقبه وذكر الظلمة وأحوالهم وغير ذلك
الباب الثاني والعشرون في اصطناع المعروف وإغاثة الملهوف وقضاء حوائج المسلمين وإدخال السرور عليهم
الباب الثالث والعشرون في محاسن الأخلاق ومساويها
الباب الرابع والعشرون في حسن المعاشرة والمودة والأخوة والزيارة وما أشبه ذلك
الباب السابع والعشرون في العجب والكبر والخيلاء وما أشبه ذلك
الباب الثامن والعشرون في الفخر والمفاخرة والتفاضل والتفاوت
الباب التاسع والعشرون في الشرف والسؤدد وعلو الهمة
الباب الثلاثون في الخير والصلاح وذكر السادة الصحابة وذكر الأولياء والصالحين رضي الله تعالى عنهم أجمعين
الباب الحادي والثلاثون في مناقب الصالحين وكرامات الأولياء ﵃
الباب الثاني والثلاثون في ذكر الأشرار والفجار وما يرتكبون من الفواحش والوقاحة والسفاهة
الباب الرابع والثلاثون في البخل والشح وذكر البخلاء وأخبارهم وما جاء عنهم
الباب السادس والثلاثون في العفو والحلم والصفح وكظم الغيظ والاعتذار وقبول المعذرة والعتاب وما أشبه ذلك
الباب الثامن والثلاثون في كتمان السر وتحصينه وذم إفشائه
الباب الثالث والاربعون في الهجاء ومقدماته
الباب الثاني والخمسون في ذكر الفقر ومدحه
الباب الثالث والستون في ذكر نبذة من عجائب المخلوقات وصفاتهم
الباب السابع والستون في ذكر المعادن والأحجار وخواصها
الباب السبعون في ذكر القينات والأغاني
الباب الرابع والسبعون في تحريم الخمر وذمها والنهي عنها
الباب الثامن والسبعون في القضاء والقدر وأحكامه والتوكل على الله ﷿
الباب التاسع والسبعون في التوبة والاستغفار
الباب الحادي والثمانون في ذكر الموت وما يتصل به من القبر وأحواله