Muntaqā al-jumān

منتقى الجمان

Editor

تصحيح وتعليق : علي أكبر الغفاري

Edition

الأولى

Publication Year

1362 ش

بسم الله الرحمن الرحيم [وبه ثقتي يا كريم] الحمد لله الذي نطقت بحديث وجوب وجوده وأزليته آيات سلطانه وعجائب عظمته، وشهدت بكماله في ذاته وصفته بينات عدله وحكمته، وأدهشت ألباب العارفين آثار جلال عزته، وأسلم من في السماوات والأرضين طوعا وكرها لقضائه ومشيته، الذي لا يضيع عنده عمل عامل بصحيح نيته، ولا يخيب لديه رجاء راج حسن الظن برحمته، بل لا يتعاظمه الغريق في لجة خطيئته أن ينقذه بسعة مغفرته.

أحمده شكرا لنعمته، وأعوذ بعفوه من عقوبته، وأسأله أن يشعرنا كثرة خشيته، ويشرب قلوبنا شدة مراقبته، ويجعل أقوالنا وأفعالنا كلها خالصة لوجهه، ويهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، ويدخلنا في عداد أوليائه الذين سبقت لهم منه الحسنى، وأسعدهم في الآخرة والأولى.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تقربنا إليه زلفى، وتبعدنا عما يوجب لنا الندامة في العقبى.

وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، أرسله هاديا إلى الطريقة المثلى، وداعيا إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة التي هي لما في الصدور شفاء.

صلى الله عليه وآله مصابيح الدجى، والحجج الواضحة لأهل الحجى، وسلم تسليما.

أما بعد: فهذا كتاب منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان، أجمعنا على أن نورد فيه بتوفيق الله تعالى ما تبين لنا انتظامه في سلك الاتصاف

Page 1

بأحد الوصفين في الجملة (1) من الأخبار المتضمنة للأحكام الشرعية المتداولة في الكتب الفقهية التي اشتملت عليها الكتب الأربعة المختصة بين المتأخرين من علمائنا بزيادة الاعتناء لما رأوا لها من المزية، بحيث استأثرت الآن من بين كتب حديث [أهل البيت عليهم السلام] على كثرتها بالوجود والمعلومية، وهي الكافي للشيخ الجليل أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني، وكتاب من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي، وتهذيب الأحكام، والاستبصار للشيخ السعيد أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي - رضي الله عنهم -.

والذي حدانا على ذلك ما رأيناه من تلاشي أمر الحديث، حتى فشا فيه الغلط والتصحيف، وكثر في خلاله التغيير والتحريف، لتقاعد الهمم عن القيام بحقه، وتخاذل القوى عن النهوض لتلافي أمره، مع أن مدار الاستنباط لأكثر الأحكام في هذه الأزمان عليه، ومرجع الفتاوي في أغلب المسائل الفقهية إليه. ولقد كانت حاله مع السلف الأولين على طرف النقيض مم هو فيه مع الخلف الآخرين، فأكثروا لذلك فيه المصنفات، وتوسعوا في طرق الروايات، وأوردوا في كتبهم ما اقتضى رأيهم إيراده من غير التفات إلى التفرقة بين صحيح الطريق وضعيفة، ولا تعرض للتميز بين سليم الإسناد وسقيمه، اعتمادا منهم في الغالب على القرائن المقتضية لقبول ما دخل الضعف طريقه، وتعويلا على الأمارات الملحقة لمنحط الرتبة بما فوقه كما أشار إليه الشيخ - رحمه الله - في فهرسته حيث قال: إن كثيرا من مصنفي أصحابنا وأصحاب الأصول ينتحلون المذاهب الفاسدة وكتبهم معتمدة.

وقال المرتضى - رضي الله عنه - في جواب المسائل التبانيات المتعلقة بأخبار الآحاد: إن أكثر أخبارنا المروية في كتبنا معلومة مقطوع على صحتها،

Page 2

إما بالتواتر من طريق الإشاعة والإذاعة، أو بأمارة وعلامة دلت على صحتها، وصدق رواتها، فهي موجبة للعلم، مقتضية للقطع، وإن وجدناها مودعة في الكتب بسند مخصوص معين من طريق الآحاد.

وغير خاف أنه لم يبق لنا سبيل إلى الاطلاع على الجهات التي عرفوا منها ما ذكروا حيث حظوا بالعين وأصبح حظنا الأثر، وفازوا بالعيان، وعوضنا عنه بالخبر، فلا جرم انسد عنا باب الاعتماد على ما كانت لهم أبوابه مشرعة، وضاقت علينا مذاهب كانت المسالك لهم فيها متسعة، ولو لم يكن إلا انقطاع طريق الرواية عنا من غير جهة الإجازة التي هي أدنى مراتبها لكفى به سببا لإباء الدراية على طالبها.

وأنا أرجو من كرم الله تعالى الإمداد بالمعونة على ما أنا بصدده في هذا الكتاب من بذل الجهد في استدراك ما فات، وصرف الوكد (1) إلى إحياء هذا الموات، ليكون مفتاحا لباب الدراية الأشب (2)، ومعوانا على بناء ربع الرواية الخرب، ومثابة يتبوؤها المستعدون لاستنباط الأحكام، ويلتقط منها المجتهدون درر الفوائد الموضوعة على طرف الثمام (3) ومفازة تنجيني من أخطار الآثام، وتلحقني بالصالحين في درجات دار السلام، واعتمدت فيه إيثار سلوك [سبيل] الإحتضار مع التزام الإشارة في موضع الإشكال إلى ما به ينحل، والتنبيه في محل التعارض على طريق الجمع حرصا على توفر الرغبة في تصحيحه وضبطه، وحذرا من تطرق الملل إلى الاشتغال بقراءته ودرسه.

Page 3

ولهذين الوجهين أضربت عن الموثق مع كونه شريكا للحسن في المقتضى لضمه إلى الصحيح، وهو دلالة القرائن الحالية على اعتباره غالبا، على أن التدبر يقضى برجحانها في الحسن عليها في الموثق، والله سبحانه ولي التوفيق والتسديد، وهو حسبي ونعم الوكيل.

مقدمة تشتمل على فوائد اثنتي عشرة الفائدة الأولى: اصطلح المتأخرون من أصحابنا على تقسيم الخبر باعتبار اختلاف أحوال رواته إلى الأقسام الأربعة المشهورة وهي: الصحيح، والحسن، والموثق، والضعيف، واضطرب كلام من وصل إلينا كلامه منهم في تعريف هذه الأقسام، وبيان المراد منها.

فقال الشهيد في الذكرى: الصحيح ما اتصلت روايته إلى المعصوم بعدل إمامي.

والحسن ما رواه الممدوح من غير نص على عدالته.

والموثق ما رواه من نص على توثيقه مع فساد عقيدته ويسمى القوي، قال: وقد يطلق الصحيح على سليم الطريق من الطعن وإن اعتراه إرسال أو قطع.

وقد يراد بالقوي مروي الإمامي غير المذموم ولا الممدوح، أو مروي المشهور في التقدم غير الموثق. والضعيف يقابله، وربما قابل الضعيف الصحيح والحسن والموثق.

وأورد والدي - رحمه الله - على تعريف الصحيح أن إطلاق الاتصال بالعدل يتناول الحاصل في بعض الطبقات وليس بصحيح قطعا، وعلى تعريفي الحسن والموثق أنهما يشملان ما يكون في طريقه راو واحد بأحد الوصفين مع ضعف الباقي، فزاد في التعريفات الثلاثة قيودا أخرى لتسلم مما أورده عليها، فعرف في بداية الدراية الصحيح بما اتصل سنده إلى المعصوم بنقل العدل الإمامي عن مثله في جميع الطبقات وإن اعتراه شذوذ.

Page 4

وعرف الحسن بما اتصل كذلك بإمامي ممدوح بلا معارضة ذم مقبول من غير نص على عدالته في جميع مراتبه أو بعضها مع كون الباقي بصفة رجال الصحيح.

وعرف الموثق بما دخل في طريقه من نص الأصحاب على توثيقه مع فساد عقيدته، لم يشتمل باقيه على ضعف، وقال في تعريف الضعيف: إنه ما لا يجتمع فيه شروط أحد الثلاثة.

وكلامه فيما عدا الصحيح جيد، وأما فيه فيرد عليه وعلى الشهيد أيضا أولا أن قيد العدالة مغن عن التقييد بالإمامي لأن فاسد المذهب لا يتصف بالعدالة حقيقة (1)، كيف والعدالة حقيقة عرفية في معنى معروف لا يجامع فساد العقيدة قطعا، وادعاء والدي - رحمه الله - في بعض كتبه توقف صدق وصف الفسق بفعل الماضي المخصوصة على اعتقاد الفاعل كونها معصية عجيب! وكأن البناء في تخيل الحاجة إلى هذا القيد على تلك الدعوى، والبرهان الواضح قائم على خلافها، ولم أقف للشهيد على ما يقتضي موافقة الوالد عليها ليكون التفاته أيضا إليها فلا ندري إلى أي اعتبار نظر.

ويرد عليهما ثانيا أن الضبط شرط في قبول خبر الواحد، فلا وجه لعدم التعرض له في التعريف، وقد ذكره العامة في تعريفهم وسيأتي حكايته. ولوالدي - رحمه الله - كلام في بيان أوصاف الراوي ينبه على المقتضى لتركه فإنه لما ذكر وصف الضبط قال: وفي الحقيقة اعتبار العدالة يغني عن هذا لأن العدل لا يجازف برواية ما ليس بمضبوط على الوجه المعتبر فذكره تأكيد أو جري على العادة، يعني عادة القوم حيث إنهم ملتزمون بذكر الضبط في شروط

Page 5

قبول الخبر.

وفي هذا الكلام نظر ظاهر، فإن منع العدالة من المجازفة التي ذكرها لا ريب فيه وليس المطلوب بشرط الضبط الأمن منها، بل المقصود منه السلامة من غلبة السهو والغفلة الموجبة لوقوع الخلل على سبيل الخطأ كما حقق في الأصول، وحينئذ فلا بد من ذكره، غاية الأمر أن القدر المعتبر منه يتفاوت بالنظر إلى أنواع الرواية، فما يعتبر في الرواية من الكتاب قليل بالنسبة إلى ما يعتبر في الرواية من الحفظ كما هو واضح.

ويبقى الكلام على الزيادة الواقعة في آخر التعريف، أعني قوله: (وإن اعتراه شذوذ) فقد ذكر في الشرح أنه نبه بذلك على المخالفة لما اصطلح عليه العامة حيث اعتبروا في الصحيح سلامته من الشذوذ، وقالوا في تعريفه: (إنه ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله وسلم من شذوذ وعلة) واحترزوا بالسلامة من الشذوذ عما رواه الثقة مخالفا لما رواه الناس، فلا يكون صحيحا، ومن العلة عما فيه أسباب خفية قادحة يستخرجها الماهر في الفن كالإرسال فيما ظاهره الاتصال، ولا تنتهى المعرفة بها إلى حد القطع بل تكون مستفادة من قرائن يغلب معها الظن، أو توجب التردد والشك.

قال وأصحابنا لم يعتبروا في حد الصحيح ذلك، والخلاف في مجرد الاصطلاح وإلا فقد يقبلون الخبر الشاذ والمعلل، ونحن قد لا نقبلهما وإن دخلا في الصحيح.

وقال في آخر بحث المعلل: العلة عند الجمهور مانعة من صحة الحديث على تقدير كون ظاهره الصحة لولا ذلك، ومن ثم شرطوا في تعريف الصحيح سلامته من العلة، وأما أصحابنا فلم يشترطوا السلامة منها، وحينئذ فقد ينقسم الصحيح إلى معلل وغيره وإن رد المعلل كما يرد الصحيح الشاذ.

واتفق له في هذا الباب نوع توهم فذكر الشاذ في جملة ما اشتركت

Page 6

فيه أقسام الحديث الأربعة من الأوصاف، والمعلل في عداد ما اختص بالضعيف.

ثم إنه ذكر المضطرب أيضا مع المعلل في المختص بالضعيف ولم يتعرض لبيان حال الاضطراب في قضية المنع من الصحة بالتصريح، وبعد نصه على عدم مانعية العلة يحصل الشك في استفادة مانعية الاضطراب من مجرد ذكر المضطرب في عداد المختص بالضعيف، فيحتمل أن يريد من الضعف فيه ما أراده في المعلل وهو عدم القبول، وقد وقع في أثناء كلامه التصريح بهذا الحكم حيث قال: (إن الاضطراب مانع من العمل بمضمون الحديث). ولعل فيه إشعار بمضاهاته للمعلل، وذكر في جملة هذا البحث: (أن الاضطراب مشروط بتساوي الروايتين المختلفتين في الصحة (1) وغيرها من موجبات الترجيح لإحديهما على الأخرى). وظاهر هذا الكلام يعطي عدم المانعية من الصحة أيضا لكنه محتمل لإرادة الصحة المنتهية إلى محل الاضطراب بالنظر إلى ما يقع منه في السند، فإنهم يستعملونها في نحو هذا المعنى كما سنذكره، وبالجملة فلكل من احتمالي إرادة المانعية من الصحة وعدم إرادتها وجه.

أما الأول فلتصريحه بها في بعض كتبه الفقهية فقال: (إن الاضطراب في الاستناد يمنع من صحة الرواية).

وأما الثاني فلأن ظاهر تعريفه للصحيح يقتضيه إذ هو متناول للمضطرب إذا اتصلت روايته إلى المعصوم بنقل العدل الإمامي - إلى آخر التعريف، ولأن له في موضع آخر من الكتب الفقهية كلاما يكاد أن يكون صريحا في نفي المانعية من الصحة وأنه إنما يمنع من القبول حيث قال: (إن اضطراب السند يلحق الخبر الصحيح بالضعيف كما حقق في دراية الحديث) وحينئذ فالمناقشة متوجهة إليه على كل حال، إما باضطراب كلامه وإما بانتقاض تعريفه للصحيح في طرده بالمضطرب.

وأقول: الذي يقتضيه النظر والاعتبار في هذا المقام أن مدار تقسيم

Page 7

الحديث إلى الأقسام الأربعة على رعاية حال الرواة وصفاتهم التي لها مدخل ما في قبول الرواية وعدمه، وأن مناط وصف الصحة هو اجتماع وصفي - العدالة والضبط في جميع رواة الحديث مع اتصال روايتهم له بالمعصوم، فيجب حينئذ مراعاة الأمور المنافية لذلك، ولا ريب أن الشذوذ بالمعني الذي فسره به، وهو ما روى الناس خلافه لا منافاة فيه بوجه.

نعم وجود الرواية المخالفة يوجب الدخول في باب التعارض وطلب المرجح، وظاهر أن رواية الأكثر من جملة المرجحات فيطرح الشاذ بهذا الاعتبار، وهو أمر خارج عن الجهة التي قلنا: إنها مناط وصف الصحة، كما لا يخفى.

وأما عدم منافاة العلة فموضع تأمل من حيث إن الطريق إلى استفادة الاتصال ونحوه من أحوال الأسانيد قد انحصر عندنا بعد انقطاع طريق - الرواية من جهة السماع والقراءة في القرائن الحالية الدالة على صحة ما في الكتب ولو بالظن، ولا شك أن فرض غلبة الظن بوجود الخلل أو تساوى احتمالي وجوده وعدمه ينافي ذلك، وحينئذ يقوى اعتبار انتفاء العلة في مفهوم الصحة، ودعوى جريان الاصطلاح على خلاف ذلك في حيز المنع لإنه اصطلاح جديد كما سنوضحه، وأهله محصورون معروفون.

والتعويل في هذه الدعوى إما على ظاهر تعريف الشهيد، وما في معناه باعتبار عدم التعرض للتقييد بانتفاع العلة، وإما على وصفهم الأخبار المعللة بالصحة، وكلا الوجهين لا يصلح لإثباتها، أما التعريف فلما عرفت من قصوره عن إفادة ما هو أهم من ذلك فكيف يؤمن قصوره في هذه المادة أيضا، وأما الوصف فالحال يشهد بوقوعه حيث يتفق عن غفلة وعدم التفات لا عن قصد وشعور بالعلة واعتماد لعدم تأثيرها، وهذا بين لمن تدبر.

وبقى الكلام في حكم الاضطراب، ولابد من بيان حقيقته أولا، وقد ذكر والدي - رحمه الله - في شرح بداية الدراية: أن الحديث المضطرب

Page 8

هو ما اختلف راويه فيه، فيروي مرة على وجه، وأخرى على وجه آخر مخالف له.

ثم قال: ويقع في السند بأن يرويه الراوي تارة عن أبيه، عن جده مثلا، وتارة عن جده بلا واسطة، وثالثة عن ثالث غيرهما، كما اتفق ذلك في رواية أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالخط للمصلي سترة حيث لا يجد العصا، ويقع في المتن كخبر اعتبار الدم عند اشتباهه بالقرحة بخروجه من الجانب الأيمن فيكون حيضا أو بالعكس.

وما ذكره في بيان اضطراب المتن جيد وأن كان وقوعه بشرطه في أخبارنا الخالية من مقتض للضعف سواه غير معلوم (1) وليس للبحث عن الواقع فيما ضعف بغيره طائل. وأما بيان اضطراب السند فللنظر فيه مجال.

أما أولا فلأنه اعتبر فيه وقوع الاختلاف على ثلاثة أوجه، وصرح في بعض كتبه الفقهية بأن (رواية الراوي عن المعصوم تارة بالواسطة وأخرى بدونها اضطراب في السند يمنع من صحته).

وقد أشرنا إلى هذا الكلام آنفا، وهو يقتضي الاكتفاء في تحقق الاضطراب بوقوع الاختلاف في السند على وجهين فقط كما هو ظاهر.

وأما ثانيا فلأن تمثيله للاختلاف الواقع على الأوجه الثلاثة التي ذكرها بالحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير مطابق لما في دراية حديث العامة

Page 9

مع أن رواية الحديث المذكور إنما وقعت من طرقهم، وهي الأصل في هذا النوع من الاضطراب كغيره من أكثر أنواع الحديث، فإنها من مستخرجاتهم بعد وقوع معانيها في حديثهم فذكروها بصورة ما وقع، واقتفى جماعة من أصحابنا في ذلك أثرهم، واستخرجوا من أخبارنا في بعض الأنواع ما يناسب مصطلحهم وبقي منها كثير على محض الفرض.

ولا يخفى أن إثبات الاصطلاح للمعنى بعد وقوعه وتحققه أبعد عن التكلف واحتمال الخطأ من إثبات المعنى للاصطلاح بعد وقوعه وتحققه، وأن البحث عما ليس بواقع واتباعهم في إثبات الاصطلاح له قليل الجدوى، بعيد عن الاعتبار، ومظنة للإبهام، هذا، وصورة الاضطراب الواقع في سند الحديث المذكور على ما حكاه بعض محققي أهل الدراية من العامة (1) أن أحد رواته رواه تارة عن أبي عمر ومحمد بن حريث بساير الإسناد، وتارة عن أبي عمرو بن حريث، عن أبيه بالإسناد، و ثالثة عن أبي عمرو بن محمد بن عمرو بن حريث، عن جده حريث بن سليم بالإسناد، ورابعة عن أبي عمرو بن حريث، عن جده حريث، وخامسة عن حريث بن عمار بالإسناد، وسادسة عن أبي عمرو بن محمد، عن جده حريث بن سليمان، وسابعة عن أبي محمد بن عمرو بن حريث عن جده، حريث - رجل من بني عذرة -.

وقال بعد حكاية هذا القدر: إن فيه اضطرابا غير ما ذكر.

وأما ثالثا فلأن منع الاضطراب الواقع على الوجه المذكور في كلام العامة من صحة الخبر وقبوله أمر واضح لدلالته على عدم الضبط الذي هو شرط فيهما، وبهذا عللوا اقتضاء الاضطراب ضعف الخبر، ولا ريب فيه كما لا شك في عدم وقوع مثله في أخبارنا لا سيما السليمة من الضعف بغيره، فالبحث عن حكمه وبيان منعه من الصحة لا طائل تحته.

وأما ما يقع منه على الوجه الذي ذكره والدي - رحمه الله - وخصوصا

Page 10