ثم توجهت إلى مكة، بعد أن نظمت الأحوال في الطائف وبقي به الشريف حسين الجودي وكيلا عن الشريف شرف. ثم أمر سيدنا المرحوم أن يتوكل إمارة الطائف الشريف حمود بن زيد بن فواز. ووجدت بمكة السادة أهل الشام ولبنان: الشيخ كامل القصاب، والشيخ فؤاد الخطيب صاحب القصيدة المعروفة «حي الشريف وحي البيت والعلما»، والسيد محب الدين الخطيب، والسيد نسيب البكري وإخوانه. أما نوري باشا السعيد وسائر الضباط فقد التحقوا بمعسكر رابغ الذي كان يقوده الأخ علي (جلالة الملك علي)، والبعض الآخر التحق بمعسكر ينبع البحر الذي كان يقوده الأخ الأمير فيصل (جلالة الملك فيصل) ومعه الأخ زيد حفظه الله.
وكانت وضعية الجيش للثورة في غاية الحروجة والخطورة، حيث إن فخر الدين باشا قائد القوى السفرية التركية قد دفع بالأميرين فيصل وزيد إلى ينبع البحر، بعد أن هزم الصغير وهو زيد ببئر سعيد، وهزم الآخر وهو المرحوم الملك فيصل في وادي ينبع النخل ودفع بالأمير علي إلى رابغ، وأرسل الشيخ حسين بن مبيريك شيخ رابغ الذي خان الثورة إلى بلدة حجر، فأصبحت الطريق من بئر قيظي أسفل سطح الغاير إلى خليص فعسفان فمكة المكرمة مفتوحة له.
وكان الأمير فيصل يشكو جدا من تأثيرات الطيارات الألمانية في العربان، وفي ذلك الوقت كان الشريف علي حيدر باشا بن جابر بن سيدنا الشريف عبد المطلب بن غالب بالمدينة المنورة منصوبا أميرا على مكة من طرف السلطان محمد رشاد، وقد ركب إليه واستأمن الكثير من شيوخ حرب وجهينة المجاورين للمدينة المنورة. وكان يقول الملك فيصل: إن لم نمد بطائرات تقابل ما مع الأتراك وإلا فلا يبقى من العربان أحد في ناحيتنا وتحت أيدينا. وكان القلق ظاهرا في برقياته وتقاريره. أما الأمير علي فكان برابغ وكان معه الضباط العرب والجنود العرب الذين تمرنوا على الأصول العسكرية الجديدة وحاربوا وأسروا ثم نقلوا إلى المعسكرات الإنكليزية وطلبوا الالتحاق بالثورة العربية. وجاء الكثير منهم فتكونت في رابغ قوة نظامية لا بأس بها، وبها الصنوف الثلاثة المهمة العسكرية: مشاة ومدفعية ورشاشات، كما كان فيها مهندسون وقسم استحكامات، لا ينقص ذلك إلا الخيالة النظامية. وما لدى البلاد من القوات الراكبة العربية كانت كافية لهذه المهمة. أما عدد هذه المجموعة فبين الثلاثة آلاف والخمسمائة والأربعة ألاف، غير القسم الذي بينبع فكانت القوتان كالشوكتين إلى يمين أي قوة تريد النزول إلى مكة المكرمة، وإنه إذا صمم فخر الدين باشا على الإقدام على مكة المكرمة كان من واجبه إفراز قسم مهم من قواته لحصر هاتين المدينتين والنزول بالأقسام الباقية إلى مكة، وفي هذا من الصعاب ما لا يجهله أحد.
مع ستورس ولورنس في جدة
ولقد أمرني جلالة الوالد بأن أسافر حالا بما بقي من القوات التي كنت أحصر بها الطائف - وكان قد حضر إلى جدة المستر ستورس الكاتب الشرقي في دار الحماية بمصر والكابتن لورنس - لمقابلة جلالته والتشرف بتلقي أوامره. وحيث إنه لم يكن هناك ما يقتضي تشريف جلالته إلى جدة، أمرني بأن أذهب قبل السفر للاجتماع بهؤلاء الذوات وبتقديم الطلبات العسكرية التي هيأها رئيس أركان الحرب عزيز بك علي المصري. فاسترحمت من جلالته أن يقبل بنظرياتي في السفر أولا إلى مصر، لتنظيم المخابرات والكتب الواردة من السير هنري ماكمهون إلى شكل عهد قائم، ثم بعد عودتي - إذا وافق على سفري - يكون توجهي من الناحية الشرقية إلى الحناكية، وهو موقع مهم شرقي المدينة المنورة بشمال، ثم العبور مما وراء الخط الحجازي إلى وادي العيص، ونقل الثورة مما بين الحرمين إلى ما بين المدينة والشام؛ فوافق رحمه الله.
ثم كتبت للمرحومين علي وفيصل بأنه لا خوف من تقدم فخر الدين باشا إلى مكة ما دام أن قواتهما سليمة، فإنه يخشى أن تقطع هاتان القوتان الطريق بينه وبين المدينة، وقلت: إنني متوجه عن الطريق الشرقي وإن هذه الخطة أنكى للعدو وأوفق للثورة حيث تضم إليها عناصر العشائر الشرقية كلها.
ثم توجهت إلى جدة لمقابلة الذوات الإنكليز المومى إليهم، وخيمت بين الكندرة والسبيل، فزاروني ومعهم قائم مقام جدة الشيخ عبد الله شيبي ورئيس البلدية الشيخ سليمان قابل، فأجري لهم الإكرام اللازم. ثم زارني في اليوم نفسه الكولونيل بريمون رئيس البعثة العسكرية الفرنسية ومعه الكولونيل قاضي وهو من مسلمي الجزائر، وقد وصل إلى هذه الرتبة وهذا شيء عظيم لكونه من المسلمين وليس لهم أن يجتازوا هذه الرتبة. وفي الصباح التالي زرت البريطانيين بدار المعتمد البريطاني بجدة وكان الكولونيل ولسن (اللواء ولسن باشا) وكان معي عزيز علي بك المصري وكان الذي يترجم لهم ترجمان دار الاعتماد حسين روحي أفندي.
فلما جلسنا واسقر بنا المكان قال ستورس: لقد حضرت أنا ورفيقي الكابتن لورنس لنقوم لأقصى ما يمكن من الخدمات فرحين فخورين، ولكن لسوء الحظ تلقينا هذه البرقية البارحة وكانت لنا منها صدمة شديدة، وقد ترجمت إلى العربية وستقرأ على سموك الآن؛ فإذا تكرمت وأصغيت إليها علمت مقدار جزعنا لسببها. فقلت: تفضلوا اتلوها. وكانت برقية مطولة خلاصتها أن أخبار النهضة العربية لم تقابل في الهند إلا بالسخط، وأن وكلاء الألمان والأتراك اتخذوها وسيلة وزعموا أن الحلفاء احتلوا البلاد الإسلامية المقدسة. ولذلك ولأن الحكومة لا تستطيع إيجاد متاعب لها في الهند فهي قررت أن تسحب كل البعثات المرسلة من لدنها من المسلمين، وكذلك سترجع البعثات العسكرية الفرنسية، وستداوم الحكومة على تقديم المساعدات الأخرى من أسلحة وعتاد ونقود، وترى هي أيضا أن نهوض العرب بأنفسهم وبدون مساعدة قوات أجنبية هو خير لمستقبلهم.
كانت هذه البرقية صدمة شديدة لي ولعزيز علي بك، فقد كنا في حاجة إلى قوات من طيارات ومدفعية ورشاشات ومهندسين لا يحسن القيام بها إلا من سبق له أن تمرن عليها، وهذا ليس بالموجود عندنا. فقلت: أرجوكم أن تتلوها مرة أخرى لأنني أحب أن أتفهمها بزيادة. وكانت فرصة للتفكير، وقررت قراري. ولما انتهى قلت: فهمت ما تقولون تماما. وقمت مودعا فبهتوا وودعوني بكل احترام والارتباك ظاهر عليهم.
فيممت دار الكولونيل بريمون، فاستقبلني من الباب. وهو رجل إلى الطول أقرب، عريض الصدر طويل اللحية أشيبها. وبعد أن جلست قال لي: ما هذا؟! إن الأتراك قد وصلوا إلى بير قاظي! فقلت أنا: بل ما هذا؟! فإن دار الاعتماد البريطاني والموفدين البريطانيين أخبروني الآن بقرارهم على أن يسحبوا بعثاتهم العسكرية بما فيهم أنتم، وأنهم سيساعدون النهضة فقط بالأسلحة والعتاد والنقد؛ وأنا في حاجة إلى طائرات ومدفعية وغير هذا مما لا يتقنه الجنود العرب اليوم. فقال لم يبلغني ذلك وإن الأمر لخطير، فماذا أنتم فاعلون؟ قلت لا شيء غير الصلح، فإن الأتراك عرضوا علينا قبولهم ما نطلبه بكفالة إمبراطور ألمانيا، وإنني سأعود الآن وستستقيل الحكومة التي أنا وزير خارجيتها وتأتي حكومة أخرى من الحزب الجانح للصلح فننتهي على خير وقد نلنا ما أردناه، وليس علينا من حلفائنا في هذا أي لوم لأنهم يعرفون ما طلبناه وما قبلوه. فتغير لونه. وبعد أن شربنا القهوة خرجت إلى المخيم.
Unknown page