وطال الاشتباك وقل العتاد الذي لم يكن في درجة الكفاية، ولم يؤذن لأحد بأن يرمي إلا هدفا معينا مرئيا. وفي وقت الظهيرة وبعد أن اشتد الظمأ على أفرادي الخاصة، ابتدأ الهجوم من الشريف فهد بن شاكر من الناحية الغربية والجنوبية بعشائر النمور وهذيل وبني سفيان، ولقد كنا نسمع تكبيرهم وصياحهم. واتجه ضرب المدفعية إلى تلك الناحية، فتمكن عندها رجالي الخاصة من التراجع سالمين. فأمرت بتحصين جبل شرقوق، وأقمت بقصر شبرا قوة كافية، وانسحبت بالقوى العمومية إلى سواقه، وكان العتاد قد نفد بأجمعه.
ثم بعثت بأوامر مستعجلة إلى الشريف فهد بأن يكف قواته وأن يميل إلى طريق عقبة كرى، لئلا تخرج القوة من الطائف عامدة مكة. وأصبح همي الأول حجز هذه القوة للتغلب عليها، فإن ذلك لم يكن بالمتيسر في مدة وجيزة في قلعة حصينة كالطائف وبها فرقة نظامية. ففعل ما أردت. ولو خرج الوالي والقائد بقواته لكان وصل إلى مكة بسلام لنفاذ العتاد الحربي كليا.
وفي الوقت نفسه بعثت بكتب إلى العشائر التي تراجعت، أخبرتهم فيها بأن هجوم عشائر هذيل وثقيف والنمور أنقذ الموقف وأنا كررنا على الأعداء وحصرناهم؛ وطلبت إليهم الرجوع بعد أسبوع لنوزع عليهم السلاح الجديد ونقيد أسماءهم في دفاتر العطاء، مع تعيين ما يخص الرؤساء ومن يليهم من الأفراد. فجاءتني الأجوبة بلبيك لبيك.
ثم أوقدت النيران في تلك الليلة على كل جبل مشرف على الطائف؛ وكثر الصياح الحماسي؛ ودقت الطبول، واستمر رمي البنادق أمهات الفتيل إلى الصبح، مما أوجب الوهم الشديد في قلوب الأتراك عن اجتماعات عشائرية. وعلى رأس الأسبوع وردت الأسلحة الجديدة وهي بنادق للمشاة شبيهة ببنادق مصنع استير، يقال إنها يابانية؛ وكانت بعيدة المرمى، شديدة الإصابة لا يخطئ بها من يرمي، إلا أنها ينفجر بعضها. وبعد أن وزعت هذه الأسلحة، ولحسن الحظ، هجم الأتراك على نواحي دقاق اللوز، وشهار، وحواية، لأخذ البيادر التي كانت بها حيث قرروا الدفاع. وصادف أن كانت هذيل وبنو سفيان عادوا من المعسكر بالأسلحة الجديدة، وكان خروج الأتراك انصب على عشيرة وقدان بدقاق اللوز وبقملة، فنشبت المعركة وردت هذه الهجمة الفاشلة بخسائر فادحة.
وفي تلك الليلة هاجمت بنو سفيان وهذيل هضبة أم السكارى ليلا، وقضت على حاميتها، ثم استولت على مدفعين هناك للأتراك؛ وكان البيات في درجة فظيعة حيث لم تطلق بندقة واحدة، بل كان الهجوم بالخناجر والحراب، ولم ينج من الأتراك أحد. ولما حدث هذا تراجع الأتراك من هضبة أم الشيح، ومن شرقرق الذي كانوا استولوا عليه عنوة، إلى جبل أبي صحفة وخنادقهم القديمة، وتقدمت القوات العربية إلى مراكزها يوم بدء الهجوم. وقد استولى الحرس الأمامي على رسول من القائد التركي بالطائف إلى القائد التركي بمكة، ومعه رسائل موجهة بأوامر إلى القواد وإلى قائد القوة الإمدادية بالمدينة، يقول فيها إن الشريف الحسين قد أعلن العصيان، وإن قلعة الطائف والفرقة العثمانية تقاتل ببسالة ضد هجمات العرب الذين يقودهم الشريف عبد الله النجل الثاني للشريف، وإن مسؤولية هذه الحركة تقع على الشريف وأنجاله، ثم يقول: قاتلوا في مراكزكم ببسالة حتى ترد الإمدادات من الشام والمدينة المنورة، قاتلوا كما يقاتل هؤلاء العصاة واذكروا أسلافكم من آل عثمان، ولا تهابوا صولة هؤلاء العرب الذين تقدموا بأكمامهم البيض وسداريهم الحمر مستخفين بالموت في سبيل أميرهم ... قاتلوهم في سبيل السلطان والملة، واذا رأيتم راياتهم بألوانهم الأربعة من خضراء وحمراء وسوداء وبيضاء كالحية المدفونة فاسحقوهم بأقدامكم ولا توفروا منهم أحدا.
وثبتت الحالة بين الحاصر والمنحصر متكافئة، إلى أن جاءت بطاريات جديدة جبلية من مكة ثم جاءت المفرزة المصرية ومعها أربعة مدافع جبلية نصف سريعة، وكان عليهم الأميرالآي سيد بك علي، وكانوا في بادئ الأمر كثيري الاحتيار ثم ألفوا. وبعد ذلك وصلت إلى القوة مدافع الهاوزر نصف بطارية، فحصل الرجحان في هذا الجانب. ولم أكن بالمسرف في الضرب حيث النتيجة معروفة والإبقاء على النفوس من الجانبين ملتزم لدي.
استسلام القائد التركي الفريق غالب باشا
وفي العاشر من ذي القعدة تلقيت كتابا من القائد الوالي هذا نصه:
إلى الشريف عبد الله بك نجل الشريف حسين باشا: لكي نثبت للغرب مزايا الشرق، أقترح عليك أن تسمح للقوى المحصورة بالسفر إلى المدينة المنورة بجميع أسلحتها وبمن معها من عائلات الضباط ومن يرغب السفر معهم من الجالية التركية، فإذا وافقتم على ذلك وهو المعلوم ننتظر الجواب كي نشعركم بوسائط النقل اللازمة وعدد الجمال.
فأجبته:
Unknown page