ولكن بعض الأعيان تصدوا لهم ومنعوهم من ذلك. وكان في مقدمة هؤلاء: الدكتور محمود بك عبد الرازق وابن أختي توفيق بك إسماعيل ... فقد آوى توفيق بعضهم عنده ... وعرض نفسه بذلك لغضب مواطنيه وهجومهم، أما الدكتور محمود عبد الرازق فقد وقف أمام باب أحد الموظفين الإنجليز، وفتح صدره أمام الناس قائلا: «لا تقتلوه إلا بعد أن تقتلوني.»
وقد بدأ هو وبعض الأعيان يهدئون الخواطر الثائرة بإيهام أهالي المنيا بأن المديرية قد استقلت، وقد أداروا بالفعل دفة شئونها لمدة أسبوع لم يحدث خلاله أي حادث إجرامي. ومع ذلك فقد كان جزاؤهما فيما بعد الحكم عليهما بالسجن لمدة ثلاث سنوات.
وقد ارتكب الإنجليز بعد ذلك كثيرا من الفظائع، ومن ذلك أنهم طافوا بالقرى يضربون الرجال بالسياط ويسطون على البيوت ويعتدون على الحرمات ويقتلون المواشي والطيور. ومما يؤسف له، أنهم عند إجراء التحقيق بعد ذلك، وجدوا مصريا يقوم بوظيفة شاهد الملك، ووجدوا من بين ضباط الشرطة من كان أقسى على مواطنيه من الإنجليز أنفسهم.
ولقد كانت هذه الأحداث تزكي نيران الثورة في نفوس المصريين وبخاصة بعد أن لمسوا مواقف مضادة من بعض الأجانب الذين عاشوا بينهم وربطت بينهم المصالح المشتركة والصداقة أعواما طويلة.
وكانت بداية هذه المواقف عندما قام شخص أرمني كان يسكن حي عابدين بإطلاق الرصاص من مسدسه بلا مبرر على مظاهرة سلمية كانت تمر أمام منزله، فأثار ذلك حنق المتظاهرين وغيظهم، فهجموا على بيته وأحرقوا أثاثه.
وقد تخوفت تلك الطائفة، وأرادت أن تتظاهر بولائها للإنجليز وتقدم لهم حجة ضد المصريين وسلاحا للدعاية ضدنا بأننا قوم متعصبون، وأن ثورتنا هذه ذات دوافع دينية وليست لأسباب دينية. وكذلك تبرأ بعض اليهود منا في ذلك الوقت، والتحق كثير منهم بخدمة الجيش البريطاني.
ولكن موقف الأقباط المصريين كان كفيلا بدحض كل هذه المزاعم، فقد تجلت أروع صور الوحدة الوطنية في العمل الوطني الواحد الذي يجمع بين كل المصريين من مسلمين وأقباط.
على أن الإنجليز انتهزوا فرصة الاعتداء على منزل الأرمني، وجمعوا تلك الطائفة في معسكر من معسكراتهم ليمثلوا الدور نفسه الذي مثلوه في تركيا، وهو أنهم ضحايا، ولكن الأرمن لم يلبثوا أن ندموا وخرجوا ببناتهم من تلك الملاجئ التي أقيمت لهم في المعسكرات، بل وغادر معظمهم القطر نتيجة ما أصابهم من خزي!
وكان الإنجليز بعد اندلاع الثورة قد جاءوا بالجنود من كل ناحية من ممتلكاتهم ومستعمراتهم. وكان هؤلاء الجنود إذا التقوا بشخص من السراة، انقضوا عليه وصوبوا مسدساتهم إلى رأسه أو صدره قائلين: الروح أو المال.
وأذكر بهذه المناسبة ما سمعته من أن المرحوم مظلوم باشا كان فريسة لبعض هؤلاء ذات ليلة، وهو خارج من كلوب محمد علي، إذ ألصقوه بالحائط وسلبوه ساعته ونقوده، وقد أصابه من رعب لدرجة أنه لم يصدق أنه نجا من القوم الظالمين.
Unknown page