Muassis Misr Haditha

Cali Ahmad Shukri d. 1360 AH
81

Muassis Misr Haditha

الاتجاه السياسي لمصر في عهد محمد علي: مؤسس مصر الحديثة

Genres

بيد أن هذه الاعتبارات أغفلت إغفالا تاما مركز بريطانيا العظمى وشخصية وزير خارجيتها، وخلاف ذلك أنها كانت إلى ذلك الحين عالمة أو على الأصح معتبرة بأسها ومسئوليتها؛ لأنها لم تخسر في خلال الأجيال الخمسة الماضية إلا حربا واحدة، وحتى في هذه المرة الواحدة لم يضعف من بأسها ويفت في عضدها إلا علمها أنها إنما تقاتل شطرا من أسرتها، أما الحرب الأخيرة التي اشتبكت فلم تكن فقط أشد الحروب هولا، بل إنها خرجت منها وهي أشد تيها بانتصارها فيها في أي حرب سابقة.

فهل كان يحتمل إذن أن تغير القاعدة التي قامت عليها سياستها في أوروبا منذ أجيال عديدة لتبتاع بدلا منها محالفة ضد عدو محتمل لم يعرف في تاريخه، إنه انتصر في حرب ما إلا ضد الأتراك أو الإيرانيين ... ثم إن بالمرستون لم يكن بالرجل الذي يحاول سد النقص بعقد محالفة أجنبية ليستغني بها عن تنمية قوة بلاده واستثمار مواردها؛ فإذا كان ثمة ما يستحق عليه المؤاخذة فهو عدم سعة احتياله وليس خور العزيمة أو قلة الشجاعة. ولذا فقد اعتزم الوقوف في طريق تقدم روسيا بغير الوسائل التي كان يقترحها محمد علي؛ ولذلك أرسل ردا قاطعا من شأنه أن يقفل الباب في وجه كل رجاء، فلقد كلف كامبل بأن يبلغ محمد علي أسفه ودهشته لتلك الاقتراحات التي تتعارض مع توكيداته السابقة، فضلا عن كونها تتنافى مع شرف الحكومة البريطانية وتعهداتها، فمحمد علي في الواقع يرغب في أن تقره بريطانيا العظمى على اعتدائه على السلطان، أو أن توافق على محاولته التخلص من ولائه لجلالته والمناداة بنفسه حاكما مستقلا على البلاد التي يديرها الآن باسم مولاه السلطان، فكيف لنا أن نسمح بحدوث مثل هذه الفتنة، وهذا الاعتداء المباشر على حقوق ملك متوج تربطه محالفة بمليكنا.

13

وليس من شك في أن هذه اللهجة كانت تنم عن عنصر السخف، بل والبهتان؛ فإن بالمرستون كان يكتب عن موقف محمد علي إزاء السلطان كما لو كانت علاقة ذلك السلطان المجرد من السلطة بوزرائه شبيهة بالعلاقات المألوفة في الغرب.

وقد عالج وزير الخارجية الموضوع كما كان يتوقع أن تنظر الولايات المتحدة إلى ما يقدمه حاكم كندا العام من اقتراحات من هذا القبيل، أو كما كانت تقابل فرنسا اقتراحات كهذه من حاكم الهند العام.

إذ لا ريب أن مجرد قبولها، بل وحتى تشجيعها لا يمكن تسويغه إلا بوجود حالة ينتظر معها نشوب الحرب فعلا، هذا في حين أن الوزير الذي تسمح له نفسه بطلب المعونة الأجنبية ضد مليكه لا يمكن أن يكون إلا متلبسا بأسوأ أنواع الخيانة العظمى.

على أن هذه الآراء كانت على ما يظهر تعتبر كقضية مسلمة لا وجود لها بالمرة؛ ذلك لأن حاكم كندا العام يستطيع أن ينام قرير العين، وهو يعلم أن نجاح إدارته لا يمكن أن يعرضه إلى حقد مليكه أو إلى الرغبة في الانتقام منه، كما أن حاكم الهند العام يستطيع أن يطمئن إلى أن رئيس الوزراء لن يعمل على تلويث سمعته وإرساله إلى المشنقة، والنتيجة أن الآراء السارية في الغرب كانت تطبق بلا حساب على الشرق، مع أنها لم تكن مفهومة على وجهها الصحيح، بل ومجهولة تماما.

على أن التسليم بهذا لا ينتقص من موقف بالمرستون؛ لأن تركيا قد أصبحت جزءا من نظام الدول في أوروبا؛ فللمحالفة التي تعقد معها نفس الالتزامات التي للمعاهدات التي تعقد بين الدول الأخرى، وهي التزامات لا يمكن - والحق يقال - الاضطلاع بها بسبب الفوضى السائدة في شئونها الداخلية، كل هذا لم يكن ليجاري فيه أحد، وفي هذه الحالة ألقى الاسترشاد بالمبدأ السياسي ما يعززه من الاعتبارات السياسية، وليس من ريب في أنه لم يكن ثمة ما يحول دون إلغاء ما بيننا وبين السلطان من التحالف القديم، وأن نؤيد بعد ذلك محمد علي في مشروعاته ضد الإمبراطورية العثمانية والخلافة التركية، ولكن فن السياسة الخارجية يتضمن بين ما يتضمنه خدمة المصالح الوطنية في داخل الحدود التي يفرضها مراعاة المبدأ السياسي، ولا سبيل إلى إنكار أن هذا الأخير كان يصبح في خبر كان بإقرارنا والي مصر في مشروعاته - ولو سرا - كما أن الأول كان يصبح في خطر باتفاقنا علنا مع محمد علي؛ إذ لا ريب في أن سحب مؤازرتنا للسلطان كان يترتب عليها مبادرة الدول إلى اقتسام إمبراطوريته، وهو احتمال لم يكن يسعنا أن ننظر إليه بعين الارتياح؛ لأننا لم نكن لنستفيد من تحول الأدرياتيك إلى بحيرة نمساوية أو الآستانة إلى ميناء روسية؛ فماذا عسى أن تكون الفائدة التي يقدمها محمد علي، والتي يمكن أن تعوضنا عن قلب القارة الأوروبية رأسا على عقب؟ إذ ما الذي يحملنا على التبرع بمساعدة حاكم مصر بأن يبسط سلطانه عن طريق الفتح العسكري إلى بقاع جديدة لا يستطيع أن يزعم أن لديه شبه حق في الاستيلاء عليها؟ ... فلهذه الاعتبارات جميعا نشأت سياسة ترمي إلى الاحتفاظ بسلطة محمد علي في البقاع الواقعة فعلا تحت سلطانه مع إقامة للعراقيل في سبيل توسيع ذلك السلطان؛ ولذلك آثر بالمرستون وبحق أن يقوي مركزنا حول الطرق البرية الجديدة المؤدية إلى الهند على إنشاء دولة جديدة قد تنضم إلينا في يوم ما في حرب محتملة مع روسيا.

ولكن الطريقين البريتين الممكنتين إلى الهند هما طريق الفرات وطريق السويس، لم تخرج إحداهما بعمل من أعمالنا من تحت سيطرة إحدى السلطات السياسية؛ فظهور محمد علي على المسرح السياسي في مصر قد مكنه من وضع يده على طريق السويس، بينما كان وادي الفرات ما يزال تحت سيطرة السلطان، ولو أنها سيطرة اسمية، وأحسب أنه كان يكون منتهى الحمق لو أننا عملنا بلا باعث سياسي أو أدبي على وضع هاتين الطريقين تحت سلطة محمد علي في الوقت الذي بدأ يظهر فيه ما لهما من أهمية سياسية كبيرة.

14

Unknown page