Min Naql Ila Ibdac Tadwin

Hasan Hanafi d. 1443 AH
226

Min Naql Ila Ibdac Tadwin

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحال

Genres

13 (2) منطق الإبداع الحضاري

لا يعني الانتحال أي معنى سلبي كما هو الحال في النزعة التاريخية التي سادت الدراسات الاجتماعية في الغرب في القرن الماضي، بل يدل على أعلى درجة من درجات الإبداع الحضاري من الوعي الجمعي المتراكم في أعماق الوعي الفردي.

14

الانتحال دليل على الخصوبة، والنص الأول ينزل في أرض خصبة، في وعي فردي وجماعي قادر على الإنتاج. النص قادر على الإخصاب، والأنا قابل للعطاء. لا ينزل النص على أرض جدباء أو قاحلة أو على صخر يجرفه الماء أو تذروه الرياح، بل ينزل في ثقافة قادرة على التفاعل وقبول كل شيء واحتوائه وتمثله وإعادة إنتاجه. مثال ذلك كتاب «التفاحة» وصية سقراط الشهيرة، و«سر الأسرار» للمعلم الأول، والرسائل المتبادلة بين أرسطو والإسكندر، الأستاذ والتلميذ؛ والإسكندر وأمه روفيا، الابن والأم؛ ووصايا لقمان لابنه وهو يعظه. ليس الدافع على الإبداع إذن أن العقل الشرقي لم يستطع أن يهضم الفلاسفة اليونانيين إلا بعد أن وضعت لهم، انتحالا في أغلب الأمر، أمثال وجمل وحكم قصيرة مثل الكلم الروحانية لابن هندو؛ لأن فهم الفلسفة اليونانية كان قد تم قبل ذلك بقرنين من الزمان، ترجمة وتعليقا وشرحا وتلخيصا وعرضا وتأليفا. ويختلف الإبداع من مؤلف إلى آخر. وعادة القادر على القراءة قادر على الإبداع مثل الشهرزوري. والمؤرخ الذي يرصد ويصف ويسرد أقل إبداعا مثل ابن أبي أصيبعة. فالخصوبة إما من الموضوع مثل الإسكندر أو من الذات؛ أي المؤرخ. لذلك يحضر الإسكندر عند الشهرزوري أكثر مما يحضر عند ابن أبي أصيبعة.

وقد تساهم أكثر من حضارة في إبداع واحد كما هو الحال في هرمس المصري اليوناني البابلي العبري الفارسي، نموذج الحضارات القديمة كلها لأنه يعبر عنها جميعا كما عبر «ينبوع الحياة» لابن جبرول قبل نسبته الصحيحة إليه عن اليهودية والمسيحية والإسلامية، ونسبتها جميعا النص إليها. وقد يستمد الإبداع جزءا من مادته من مصادر داخلية ثم يبني عليها بالخيال مثل بعض روايات الحسن وإبراهيم بن أدهم وراء وصايا لقمان.

15

فالإبداع لا يكون بالضرورة من مبدع واحد، بل يكون من عدة مبدعين يشاركون في صنعة نموذج واحد أو بناء جديد على نموذج قديم، مجموعة من الفلاحين لإنبات زرع مشترك. قد يكون الإبداع جماعيا وليس فرديا، وقد يكون لا شخصيا مجهول المصدر كما يكون شخصيا معلوم المصدر.

يعني الانتحال فهم روح النص ثم إبداع نص جديد مشابه في المعنى وإن لم يكن مشابها في اللفظ، أحيانا بنفس ألفاظ النص الأصلي، وأحيانا بألفاظ مختلفة نسبيا أو كليا. وهو أشبه بالقياس الفقهي على مستوى الحضارة وليس على مستوى الفعل الفردي. فالمعنى هو العلة المشتركة بين النص الأصلي والفرع الإبداعي. وبمجرد استنباط العلة من الأصل واقتناصها في الفرع يصدر الحكم وهو النص الإبداعي الجديد كصياغة. ويسهل الإبداع عندما يكون الأصل حكمة أو مثلا مثل وصايا الفرس التي دونها مسكويه في «الحكمة الخالدة»، ومثل «جمهرة أمثال العرب»، والشعر الجاهلي، وأحاديث الرسول. وهي جوامع الكلم التي أوتيها الرسول والتي تم تدوينها في نوع أدبي هو الأقوال والحكم والأمثال والمواعظ. فهي المقياس النموذجي، الأصل المثالي الذي يتم عليه نسج أقوال أخرى مشابهة تضيف إلى مجموع الأمثال الأولى أمثالا جديدة، خاصة وأنها بلا مؤلف. هو عمل جماعي ينتسب إلى الجماعة وليس إلى فرد بعينه. لذلك سهل نسبتها إلى أكثر من شخص.

16

وكلما تجرد القول عن القائل، وانفصل النص عن المؤلف، كان الأصل مؤهلا لأن يكون أساس الإبداع ومقياسه. ولهذا لم يكن مصادفة أن يكون القسم الأخير من الفصل الأول عن الأقوال التي هي البذرة للقراءة ثم الإبداع. لذلك غلب على الانتحال الأقوال أولا سواء في صيغة حكم أو أمثال أو وصايا أو رسائل أو مؤلفات قبل أن يكون نوادر وسيرا شخصية، وقبل أن يكون وقائع وأشخاصا؛ أي إبداع البذرة ذاتها أو الأصل الذي يتم عليه نسج الفرع.

Unknown page