Min Naql Ila Ibdac Tadwin
من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحال
Genres
4
بل هناك انتحال في الوثائق التاريخية. ففي لحظة الفتح ونشوة النصر تم انتحال عديد من رسائل النبي إلى الملوك والقياصرة الروم وفارس ومصر أو رسائله إلى بعض ملوك الجاهلية إما من المبدع أو من المتلقي ما دام هناك أصل للإبداع وهو رسالة النبي إلى المقوقس عظيم مصر ببلاغتها المعروفة: «أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين.»
5
ولا يختص الانتحال فقط بالوافد، بل يكون أيضا للموروث، مثل وصايا لقمان المنسوجة على وصايا يعقوب لذريته، ووصايا لقمان لابنه المذكورين في القرآن كوصايا عامة دون تفصيل.
6
وكما أن الفرق بين التاريخ والقراءة هو الفرق بين الموضوعي والذاتي، فإن الفرق بين القراءة والانتحال هو الفرق بين الموضوعي والذاتي الخالص. فالقراءة حلقة متوسطة بين التاريخ والانتحال. التاريخ بذرة بلا زرع. والقراءة بذرة تحولت إلى زرع، والانتحال هو الثمار. الفرق بينهما فرق في الدرجة لا في النوع. ولا يوجد فاصل بين المستويات الثلاثة. فالتاريخ أولى مراحل الوصف السردي. ثم يختفي هذا الوصف تدريجيا بفضل القراءة والتأويل. التاريخ نقل للوافد، والقراءة وضع للوافد في إطار الموروث، قراءة الآخر من خلال مقولات الأنا تحقيقا لوحدة الثقافة ومنعا لازدواجية الوافد والموروث. أما الانتحال فهو استقلال القراءة عن المقروء وإبداع نص جديد يعبر عن روح النص القديم. إذا كان التاريخ هو الموضوع، والقراءة فهم الموضوع من خلال الذات فإن الانتحال هو خلق الذات نفسها موضوعها من داخلها. إذا كانت الذات قد فهمت موضوعها، فإن الفهم يتحول إلى ماهية تخلق نصوصا جديدة متكررة تحمل الماهية الأولى. ولا يعني الانتحال تجاوز التاريخ تدريجيا من التاريخ إلى القراءة إلى الانتحال أو التحول من النسبة الخاطئة للمؤلفات لغير أصحابها إلى المنتحلات الجزئية إلى المنتحلات الكاملة. لا يعني ذلك أي إغفال للدقة التاريخية كنواة أولى يبنى عليها صرح التأويل كله. فالمؤرخ يقوم بتصحيح أخطاء التاريخ، بداية بالتمييز بين أسماء الأعلام المتشابهة. فبطليموس بيرلس ليس بطليموس صاحب المجسطي.
7
فالنقل الصحيح لا يعارض الإبداع الصريح. كلاهما واقعان، النقل والإبداع، التاريخ والشعر، الواقع والخيال. لذلك تتطابق أحيانا بعض حكايات أبقراط في الطب بين التاريخ والانتحال.
8
والنسبة الخاطئة لعمل إلى غير صاحبه خطوة على الانتحال؛ إذ تعني النسبة الخاطئة انفصال النص عن مؤلفه وتحوله إلى نص مستقل يعزى إلى أي مؤلف، وتنسج على منواله نصوص أخرى كثيرة بعد أن تحول إلى معيار أو نمط مثالي. والمثال الشهير على ذلك نسبة أثولوجيا أرسطوطاليس إليه، وهي ليس له، بل أجزاء من التاسوعات لأفلوطين. وكذلك نسبة بعض أجزاء من كتاب أثولوجيا لأبرقلس التي بها شبهة قدم العالم لأرسطو.
Unknown page