إيرين :
نحن شقيان، وإذا نزل الشقاء فالناس جميعا سواء!
قانون الرجل
قصة تمثيلية للكاتب الفرنسي «بول هرفيو»
لعلك تسأل نفسك: ما باله لا يجد سبيلا إلى مفارقة هذا الكاتب، والانتقال منه إلى غيره؟ فقد حللت له قصصا ثلاثا، وكنت أستطيع أن أكتفي بهذه القصص الثلاث، والحق أني لا أجد سبيلا، أو لا أكاد أجد سبيلا إلى مفارقة هذا الكاتب؛ لأن صحبته لذيذة، ولأن إعجابي به، واطمئناني إليه لا يكادان يحدان، صحبته لذيذة، وإعجابي به شديد؛ لأني لا أعرف تمثيلا أخضب من تمثيله، ولأني لا أعرف قصصا أغنى من قصصه، ولأني أجد في صحبته لذة العقل ولذة الشعور معا، ولأني أجد في صحبته هذه اللذة التي يجدها من يسمع لفيلسوف وفني في وقت واحد، فهذا الكاتب الذي أوثره قد جمع بين الفلسفة والفن فأرضى العقل، وأرضى الشعور.
هو فيلسوف فلا تكاد تقرأ له قصة إلا رأيتها تدور حول فكرة فلسفية أو نظرية من نظريات الاجتماع، يدرسها درسا متقنا، ويحللها تحليلا دقيقا، فيردها إلى أصولها، ويصل بها إلى نتائجها المعقولة، وهو في الوقت نفسه فني؛ لأنه على إيثارة للمنطق وقواعد النظر العلمي في البحث والتحليل يتخذ الفن وسيلة إلى هذا البحث، والتحليل فيثير عواطفك، ويؤثر في شعورك بحيث لا تستطيع أن تقول إنك قرأت كتابا علميا، وبحيث لا تستطيع أن تقول إنك قرأت آية من آيات الفن ليس غير، هو يضطرك أن تقول إنك قرأت علما وفنا، واستمتعت بالعلم والفن مجتمعين، ومن يدري؟ لعل هذا الفن هو الفن حقا، بل هو الفن من غير شك، فليس من الحق أن هناك تناقضا بين الجمال وبين الحقيقة، وإنما الحق الذي لا شك فيه، والذي قاله الناس، وآمنوا به منذ سقراط أن الحق والجمال شيء واحد، فالكاتب الفني حقا هو الذي يستطيع أن يظهر للناس في غير تكلف ولا عنف أن الحق جميل، وعلى أن الجمال حق، وبهذا يمتاز هذا الكاتب الذي لا أجد إلى مفارقته سبيلا، يمتاز بهذا وبشيء آخر لعله هو الذي يحببه إلي، ويجعل اتصالي به شديدا، وهو أنه يمثل تلك الفكرة القديمة التي أوجدت فن التمثيل عند اليونان القدماء، والتي مهما يختلف فيها الشعراء من اليونان فهم جميعا خاضعون لها، متأثرون بها، مترجمون عنها، وهذه الفكرة التي تجدها عند «إيسكيلوس» كما تجدها عند «سوفوكليس» وعند «أوروبيدس»، بل تجدها في الشعر القصصي نفسه في «الإلياذة»، وفي «الأودسا»، بل تجدها في الحياة القديمة كلها، هي أن هناك شيئا فوق إرادة الفرد، وفوق إرادة الجماعات، فوق التشريع وفوق الشرائع، هناك شيء فوق الأشياء يدبر هذه الأشياء ويسخرها، ولا أريد أن أغلو مع القدماء، فأزعم كما كانوا يزعمون أن هذا الشيء الذي لا مرد له ولا فرار منه مسيطر بطبعه على كل إرادة فردية واجتماعية، بل مسيطر على إرادة الآلهة أنفسهم، هذا الشيء هو القضاء الذي تمثله لنا اليونان في صور مختلفة، ولكنه في جميع هذه الصور عابث بالأفراد والجماعات، عابث بعقول الناس وقواهم، عابث بسلطان الآلهة وإرادتهم، نعم! هذا الشيء هو القضاء الذي ننساه وننصرف عنه مغرورين مرة بذكائنا ومرة بشعورنا، وحينا بثروتنا، وحينا بقوتنا المادية، ننساه فنمضي كما تدفعنا الأهواء، ونسير حيث يوجهنا الغرور، حتى إذا خيل إلينا أنا قد بلغنا من حياتنا ما نريد، قال القضاء كلمته فأفسدت كل ما دبرنا، ونقضت كل ما أبرمنا، وألزمتنا أن نعترف أمام أنفسنا وأمام الناس وأمام القضاء نفسه بأن هذه الأشياء التي غرتنا وفتنتنا ليست إلا ضربا من الباطل، ولونا من الخيال، ولعبة في يد القضاء.
تجد هذه الفكرة في شعر القدماء من الممثلين اليونانيين، وتجدها في قصص هذا الكاتب، ألم تجدها في قصة «التيه»؟ ألم تجدها في غيرها من القصص التي حللتها فيما مضى؟ ألم تشعر حين قرأت هذا التحليل أن الكاتب يسخر من قوة الإنسان وعقله ورقيه وحضارته، وتشريعه وشرائعه، ويزعم أن هذه الأشياء كلها عاجزة كل العجز عن أن تضمن له السعادة، وتحميه من الشقاء؟
تجد هذه الفكرة نفسها في هذه القصة التي أريد أن أحللها اليوم، ومع ذلك فيظهر من عنوان هذه القصة أن الكاتب يريد أن يلقي على شيء معين من الأشياء تبعة ما يلقاه قسم من أقسام الإنسانية من ضروب التعس والشقاء، يظهر من العنوان ومن القصة نفسها أن الكاتب يريد أن يرد ما تلقاه المرأة من ظلم وجور، ومن شقاء وسوء حال إلى التشريع الذي يقوم به الرجال وحدهم دون النساء، فيستأثرون لأنفسهم بالخير، ويتخذون لمنافعهم وشهواتهم من هذا التشريع معاقل وحصونا، ولو قد اشترك النساء في التشريع، ووضع القوانين لاستطعن أن يحمين منافعهن وحقوقهن، وأن يكبحن من جماح الرجال ولو قليلا، وأن يضعن أنفسهن بمأمن من ضروب الظلم المختلفة التي يخضعن لها دون أن يجدن لهن نصيرا، يدل عنوان القصة، وتدل القصة نفسها على أن مصدر الظلم الذي تلقاه المرأة هو أن المرأة محرومة من حقوقها السياسية، فلو أن لها هذه الحقوق، لو أنها تنتخب وتنتخب وتأخذ بنصيبها من حقوقها الاجتماعية كما تقوم بنصيبها من الواجبات الاجتماعية لاستطاعت أن تتقي هذا الظلم، وأن تقف من الرجل موقف الخصم الكفء، فالكاتب إذن من أنصار المرأة، بل من الغلاة في نصر المرأة، من الذين يطالبون بالمساواة السياسية المطلقة بين الرجل والمرأة.
وأعترف بأن هذه القصة لو لم يكن فيها إلا هذه الفكرة لما حفلت بها كثيرا، لا لأني أخاصم النساء، ولا لأني أكره أن يكون لهن مثل ما لي من الحقوق السياسية والاجتماعية، فلو كان الأمر بيدي لما اكتفيت بإقرار المساواة بين الرجال والنساء في هذه الحقوق، بل لنزلت للنساء عن كثير من هذه الحقوق التي أجد في الاستمتاع بها من الشر والعناء أكثر مما أجد فيه من الخير والراحة، ولكني مع ذلك لم أكن لأحفل بهذه القصة لو لم تعن إلا بهذه القضية الخاصة؛ ذلك لأن هذه القضية في نفسها قابلة لضروب من الجدال والمناقشة لا حد لها، ومن الذي يستطيع أن يقول إن مصدر ظلم المرأة هو حرمانها حقوقها السياسية؟ ولم لا يكون مصدر ظلمها أنها أضعف من الرجل، وأقل حظا منه في هذه القوة المادية التي تقوم عليها الحقوق والواجبات في كل حياة إنسانية اجتماعية؟ ولم لا يكون مصدر ظلم المرأة أنها كانت إلى الآن أقل ذكاء من الرجل، وأضيق حيلة، وأضعف عقلا؟ ولم لا يكون مصدر ظلم المرأة أنها كانت إلى الآن أرقى من الرجل شعورا، وأرق منه عاطفة، وأصدق منه ذوقا، وأميل منه إلى الجمال، فكلفت بالخيال، وكلف هو بالحقيقة الواقعة؛ فربح الرجل وخسرت المرأة؟ ولم لا يكون مصدر ظلم المرأة هذه الأشياء كلها مجتمعة، وأشياء أخرى لم أذكرها، أو لم أصل إليها؟
القضية إذن في نفسها قابلة للبحث والمناقشة، ولكن في القصة شيئا آخر غير هذه القضية، غير منافع الرجل والمرأة، غير حقوق الرجل والمرأة، غير الجور والعدل، غير الظلم والمساواة، فيها أن سلطان القضاء فوق كل سلطان، ولهذا عنيت بهذه القصة، وأرجو أن يعنى بها القراء. ••• «الكونت دي رجيه» رجل من الأشراف عظيم الثروة، قوي الجاه، محافظ كل المحافظة على ما ورث من العادات والآداب سواء منها الحسن والقبيح، قوي الإرادة إلى حد العناد، محتفظ بحقوقه من حيث هو رجل، وقد اكتسب هذه الحقوق بما له من قوة الرجولة ومن السلطان على الحياة الاجتماعية، وهو يحرص كل الحرص على ألا يفرط في شيء من حقوقه، ولا من عاداته، ولا من آدابه، وعلى ألا ينزل عن جزء ولو قليل من حريته، وقد تزوج من فتاة جميلة غنية، ولكنها يتيمة، فلم تجد حين تزوجت من يحسن الدفاع عنها، ولا الاحتياط لمستقبلها، وهي تحب زوجها حبا شديدا، وتثق به ثقة لا حد لها، وتعتمد عليه في كل شيء الاعتماد كله، تصدقه إذا قال، وتؤيده إذا فعل، حتى إنها لتصدقه وهي تعلم أنه كاذب، وحتى إنها لتذعن له وهي تعلم أنه ظالم؛ ذلك لأنها تحبه إلى حيث تنمحي إرادتها أمام إرادته، اسمها «لور» وقد عاشت مع زوجها عصرا، ورزقت منه فتاة في الثانية عشرة من عمرها، واسمها «إيزابيل»، ولكن أخذت «لور» في هذا العصر الأخير ترتاب، وتشك في أمانة زوجها، وفي أن بينه وبين امرأة أخرى صلة، فكانت كلما قوي في نفسها هذا الشك أفضت به إلى زوجها، فيمحوه في الحال بلطفه وظرفه ورقته، وحسن حيلته، فتعود المرأة إلى الثقة والاطمئنان.
Unknown page