ولكني لا أريد أن أغلو في بسط هذه النظرية، فلأنتقل بك إلى مذهب الكاتب في إثباتها، وسترى أن هذا الإثبات على صدقه وصحته لا يخلو من لذة وألم يهزان العواطف هزا عنيفا، ويؤثران في النفس تأثيرا شديدا. •••
مدام «فونتيه» عجوز أرملة، فقدت زوجها منذ عهد طويل، وكانت تحبه حبا شديدا، فهي وفية له، مقيمة على عهده، حتى إنها لتقرأ الصحف التي كان يقرؤها لها، لا لأنها تحب هذه الصحف أو تعنى بما فيها، بل لأنها تريد أن تتلمس بعينيها في هذه الأحرف المكتوبة أمامها صوت زوجها العزيز عليها. هي تحب زوجها، وهي غنية قد ترك لها هذا الزوج ثروة لا بأس بها، وترك لها ابنة هي «سابين ريفيل»، وهي امرأة نصف، فيها جمال وسحر، وهي أرملة كأمها، تزوجت من شاب غني، ولكن حظ هذا الشاب كان سيئا، فنزلت به المحنة بعد المحنة، ثم مات وترك امرأته فقيرة معدمة لولا ثروة أبويها، ولم يتركها وحدها، بل ترك لها ابنة هي «ماري جان»، وهي فتاة جميلة خلابة، حسنة الخلق، قوية النفس، في السابعة عشرة من عمرها، ولكن فيها خلالا تفوق سنها رغبة في الجد، وقدرة على الاحتمال.
أمامك الآن ثلاثة نساء يمثلن ثلاثة أجيال! أمامك العجوز تحب ابنتها، ولا تحيا إلا لها، وأمامك المرأة الشابة، يخيل إليها أنها لا تفرق بين أمها وبنتها في الحب، ثم أمامك هذه الفتاة لا تفكر في شيء من هذا، وإنما هي أمل ورجاء، هي زهرة تبسم للحياة، وقد بدأت شمس الحياة تشرق عليها، فهي تستجمع كل ما فيها من قوة وشباب لتستمتع بضوء هذه الشمس المشرقة، وهي تحب شابا اسمه «ديديه مارافون»، حسن الصورة، قوي الإرادة، مؤمن بقدرته على العمل، وحسن حظه في الحياة، أحبته الفتاة وأحبها، وتعاهدا على الزواج، واختارت الفتاة عيد ميلادها لتظهر أمها على هذا الحب، وعلى ما تعقد به من أمل.
فإذا كان الفصل الأول فنحن في بيت هؤلاء النسوة، وهن يحتفلن بعيد هذه الفتاة، وقد دعون إلى هذا الحفل طائفة من أصدقائهن، فيهم رجال وفيهم نساء، فيهم بنوع خاص امرأة مفتونة بجمالها، حريصة على أن تستمتع بحياتها، لا تبخل من لذات الحياة على نفسها بشيء، ولها ابنه شابة تهملها إهمالا، أو قل إنها تضحي بشبابها في سبيل لذاتها الخاصة. أو قل إنها تنساها نسيانا تاما، حتى إنها لتداعب فتى تحبه ابنتها، ويحب هو هذه الفتاة، وحتى إنها لتكلف ابنتها الشابة أن تصلح من شأنها، وترتب زينتها! وفيهم امرأة أخرى جميلة، ولكنها تضحي بجمالها وحياتها ولذتها وبزوجها وقوته ولذته في سبيل ابنتها الفتاة الجميلة التي استشعرت حب أبويها، فأسرفت في الذل والتحكم حتى إنها لتكلفهما ما يطيقان، وما لا يطيقان، كأنهما لا يعيشان إلا لها. فإذا دخلت «سابين» رأت هذا المنظر العجيب، رأت فتاة قد جثت على الأرض تصلح ثوب أمها، ورأت أما قد جثت على الأرض تصلح زينة ابنتها، فإذا خرج هؤلاء الناس وخلت «سابين» إلى صديق لها هو «مارافون»، تحدثت إليه في أمر هؤلاء وإسرافهن، هذه تضحي بابنتها، وهذه تضحي بأبويها، فيشرح لها صاحبها هذه النظرية التي بسطتها لك في أول هذا الفصل، يزعم أن الأم التي تضحي بابنتها إنما هي استثناء يثبت القاعدة، وأن الفتاة التي تضحي بأبويها إنما هي المثال الصادق للإنسانية العامة، تنكر سابين هذه النظرية إنكارا شديدا، ولكن حياتها كلها ستقنعها بأنها كانت مخطئة في هذا الإنكار، ذلك أن «سابين» تحب رجلا أمريكيا غنيا عرفها منذ الصبا، تحبه حبا جما، ولا تطمع إلا في أن تكون له زوجا، وهذا الرجل يحبها، وقد ألح عليها في الزواج، ولكنها رفضت دون أن تبين لهذا الرفض سببا، فإذا كانت هذه الليلة أقبل هذا الرجل الأمريكي واسمه «ستاتجي»، وأعلن إليها أنه مسافر إلى حيث لا يعود، مسافر إلى أمريكا، معتزم أن يجد فيها من العمل ما يجعل العودة عليه أمرا مستحيلا. تنكر ذلك وتحاول أن تحمله على العدول عنه، وتنبئه بأنها تحبه، وتطمع في أن تكون زوجه، ولكن شيئا واحدا يمنعها من ذلك وهو ابنتها، تريد ألا تتزوج ولا تغير من حياتها شيئا قبل أن تجد لابنتها زوجا، فإن ثروتها محدودة، والناس يعلمون من أمرها ما يعلمون، فإذا تزوجت فقد تصبح أما، وقد توجد لابنتها شريكا في هذه الثروة، فينصرف الناس عن هذه الفتاة لقلة ثروتها، وهي تريد أن تكون ابنتها سعيدة، وأن تجد زوجا كفؤا، وهي تأبى أن تكون سعادتها الخاصة عقبة في سبيل هذه الفتاة. يفهم الرجل هذا كله، ويبذل ما يستطيع من قوة ليملأها أمنا وطمأنينة على مستقبل الفتاة وثروتها، فهو غني ومهما يرزق من ولد فلن تخشى هذه الفتاة على ثروتها الحاضرة، ولكن «سابين» تأبى وتلح في الإباء حتى ينصرف عنها الرجل، ويمضي إلى حيث لا يعود. فقد بدأت إذن بتضحية سعادتها في سبيل ابنتها، ولا يكاد هذا الرجل ينصرف حتى تقبل الفتاة فتنبئ أمها بحبها، وتطلب منها أن تقر هذا الزواج، تتمنع الأم لأنها لم تستمتع بعد بابنتها، ولأنها تخشى المستقبل، ولكن حب الفتاة أقوى من تمنع الأم ، فما أسرع ما تنتصر عليه. •••
فإذا كان الفصل الثاني رأيت الفتاة قد تزوجت من صاحبها، وهما يعيشان وحدهما، والفتاة سعيدة كل السعادة، وتفهم من حديثها مع صاحبة لها أن أمها ليست سعيدة، وأنها قد شقيت كل الشقاء حين اعتزم الزوجان أن يسكنا وحدهما، ثم يقبل زوجها كئيبا كاسف البال، فما تزال به تسليه وتعزيه وهي تجهل ما به، ولا تظن إلا أنه متعب لكثرة العمل، ثم تتركه ويأتي أبوه فيظهر لك أن الفتى سيئ الحظ في عمله، وأنه مشرف على الإفلاس، وأنه قد أخفى هذا كله على زوجه ضنا براحتها وأملها في الحياة، ولكنه قد بعث أباه يتوسل إلى أم زوجه وجدتها في أن تقرضاه مقدارا ضخما من المال يصلح به من أمره، فذهب الرجل وقص الأمر على هاتين المرأتين وهما مقبلتان، فينصرف الشيخ ليظهر زوج ابنه على جلية الأمر، وتقبل «سابين» فإذا قص عليها صهرها جلية أمره، وأنبأها بأنه لا يستطيع أن يحتمل الإفلاس، ولا أن يعرض زوجه لآلام هذا الإفلاس وما يتبعه من الأعمال القضائية، ولا أن يعرضها للفقر والفاقة، وأنه يؤثر الموت على بعض هذا، جزعت الأم وأعلنت إلى صهرها أنها ستعينه، ولكنها عاجزة عن معونته، فهي لا تملك شيئا، وإنما الثروة كلها ملك العجوز، فستتوسل إلى العجوز إذن في أن تقرضه هذا المال. ينصرف الفتى وتقبل العجوز، وهنا موقف من أشد المواقف تأثيرا في النفس! تعرض «سابين» الأمر على أمها، وتطلب إليها المعونة، ولكن العجوز تأبى كل الإباء، تأبى لأنها قد عرفت عبث الأصهار بأموال الأحماء، وتذكر ابنتها بما كان من أمر زوجها، وأنه أضاع على الأسرة أكثر من نصف مليون فرنك، ولكن «سابين» تلح على أمها، وتبالغ في الإلحاح، ثم تغلظ القول حتى تخرج عن طور الإجلال لأمها، فتشعر بأن هذه المرأة قد أخذت تضحي بأمها في سبيل ابنتها، تلح فلا تزداد العجوز إلا إصرارا على الرفض، ثم تعلن العجوز إلى ابنتها أنها لن تستطيع أن تنفق شيئا؛ لأنها عاهدت زوجها وهو يموت على ألا تعرض ما بقي من الثروة لخطر قليل أو كثير، ثم تنصرف وتترك ابنتها في شيء من الذهول يشبه اليأس، وتأتي بعد ذلك ماري جان، فإذا عرفت رفض جدتها أخذها شيء من الجزع عظيم، وظلت تتوسل إلى أمها في أن تخلص زوجها من هذه الضائقة، وتشعر بأن هذه الفتاة لا تفكر إلا في زوجها، ولا تنظر إلى أمها إلا من حيث هي وسيلة ممكنة لتفريج الكربة عن هذا الزوج، ولكنها لا تشعر بذلك ولا تحسه، فتبالغ فيه حتى تعرض على أمها أن تكتب إلى صاحبها الأمريكي القديم تسأله هذا المال، تثور الأم لهذا العرض وتأباه؛ لأن فيه امتهانا لكرامتها، ولأنها لا تستطيع أن تكتب إلى هذا الرجل سائلة مستجدية بعد أن أساءت إليه، ورفضت الاقتران به، ولكن ابنتها جزعة والهة، وهي لا تحتمل جزع ابنتها، فما أسرع ما تجيب إلى الكتابة، وفي نفسها مع ذلك شيء من الأمل ضئيل، فهي ترجو أن يعيد كتابها في نفس صاحبها ذكرى الحب القديم، فينجد صهرها من جهة، ويفكر في الزواج من جهة أخرى.
فأنت ترى هذه المرأة تسيء لأول مرة إلى أمها في سبيل ابنتها، ثم تضحي بكرامتها الخاصة في سبيل ابنتها أيضا، وهي مع ذلك لا تشعر بما تفعل؛ لأنها تفعل شيئا طبيعيا. •••
فإذا كان الفصل الثالث فقد بلغت الأزمة أقصاها، وانتهى الخطب إلى غايته. لم يجب الأمريكي، ولم تغير العجوز رأيها، فأعلن إفلاس الفتى، وحجز على ما بقي له من ثروة، ولامرأته من متاع، وهو يعيش مع امرأته في بيت العجوز ترزقهم وتعولهم في غير ضجر ولا من؛ لأنها لا تحب الثروة للثروة، وإنما تريد أن تكون هذه الثروة موئلا لابنتها وذويها لا ينالها العبث، هي إذن تضحي بصهرها في سبيل ابنتها.
ولكن لهذا الصهر بقية من أمل، فقد يستطيع أن يتفق مع الدائنين، فيسترد شيئا من شرفه التجاري، وهو في ذلك محتاج إلى مائة ألف فرنك يرضي بها هؤلاء الدائنين، والعجوز وحدها تستطيع أن تقرضه هذا المقدار، ولكن العجوز تأبى بعد خصام عنيف، وكانت الفتاة قد احتملت هذه الخطوب كلها في شجاعة وجلد، واشتركت في جهاد عنيف لتمنع زوجها من الانتحار، فلما رأت جدتها تغلو في الإباء حتى كادت تقضي على كل أمل لزوجها الذي تحبه خانتها القوة، وأعوزها الجلد فأصابها إغماء، ودعي الطبيب فأنبأ بأنها في خطر، وأن مصدر هذا الخطر اضطراب الأعصاب.
هنا تخرج «سابين» عن طورها، فلا تفكر إلا في شيء واحد هو إنقاذ ابنتها من الموت، وقد ضرب الدائنون للفتى موعدا ظهر اليوم الذي نحن فيه، ونحن في الساعة العاشرة صباحا، والفتى يتحدث إلى أبيه ينبئه بهذا كله، ولكنه ينبئه أيضا بأن الله قد أراد إنقاذ الفتاة من الموت، فقد أقبلت أمها فرحة مبتهجة، وأنبأتهما بأنها قد وجدت المال، وأنها ذاهبة إلى المصرف لقبضه، ثم يأتي الطبيب وينصرف مع الفتى لعيادة المريضة، وتقبل سابين في ذهول يشبه الجنون، فلا يكاد الشيخ يستنبئها حتى تنبئه أنها رأت ابنتها مشرفة على الموت فاقترفت الإثم وارتكبت الجريمة، سرقت أمها وأمها نائمة، سرقت طائفة من الأوراق المالية، وأمضت بقية الليل تقلد إمضاء أمها حتى أجادت التقليد، فلما كان الصباح أنبأت ابنتها بأنها وجدت المال، وذهبت إلى المصرف، فلم يشك أحد في صدقها، ودفع إليها المال فقبضته، ولكنها أرادت أن تمضي الوصل فكتبت اسم أمها مكان اسمها الخاص، وفطن لذلك صاحب المصرف فاسترد المال، ولولا صلة سابقة بينه وبين الأسرة لألقى بها في أعماق السجون، وهي مع ذلك مضطرة إلى أن تكذب على ابنتها، فلو قد أنبأتها بالحق لصعقها النبأ وقضى عليها، ثم يعود الطبيب فينبئ بأن الفتاة ما زالت في خطر، وبأن العناية القوية قد تنقذها، ولا بد من نقلها من باريس إلى جبال الألب لتقضي فيها الصيف، ولا بد من العناية بأعصابها، ولكن الشدة لم تبلغ أقصاها بعد، فالطبيب يعلن إلى سابين أنها إذا وافقت ابنتها فلا بد من أن تترك أمها في باريس؛ لأن أمها تشكو مرض القلب، وهي إذن لا تستطيع أن تعيش في الأماكن المرتفعة.
ينصرف الطبيب وتقبل العجوز، فلا تكاد تعلم بأن ابنتها تريد السفر حتى تعلن أنها سترافقها فيه، تأبى سابين وتلح العجوز، وحجتها ناهضة، فسابين لا تريد أن تفارق ابنتها، وهي أيضا لا تستطيع أن تفارق ابنتها، فإما أن ترافقها في السفر، وإما أن تبقى معها في باريس، وأن تترك الفتاة تسافر مع زوجها، وهي تفترض ذلك وتنذر بقطع النفقة عنهم جميعا إذا لم تجب إليه، ثم تنصرف مغضبة، وتقبل الفتاة ومعها زوجها وفيهما شيء من الأمل يحيي نفس هذه المريضة، ولا يكادون يتحدثون، ولا تكاد الفتاة تشعر بشيء من التردد في صوت أمها حتى يعاودها الإغماء، فإذا أفاقت أعلنت إليها أمها أن الأزمة قد انحلت، وأنها تحتمل تبعة ذلك، وأن زوجها يستطيع أن يطلب إلى الدائنين أجلا فلا ينقضي هذا الأجل حتى تكون قد حصلت على المال، ثم تنبئ ابنتها بأنها ستبقى في باريس مع أمها العجوز، فتأبى الفتاة وتتوسل إلى أمها، وتلح في التوسل، ويكاد يعاودها الإغماء، فلا تستطيع سابين إلا أن تجيبها إلى ما تريد، هي إذن قد ضحت بأمها تضحية أخيرة، فستحملها إلى حيث تلقى الموت، وهذا كله في سبيل ابنتها. •••
Unknown page