Min Caqida Ila Thawra Muqaddimat
من العقيدة إلى الثورة (١): المقدمات النظرية
Genres
15 (د)
لم يبق إلا أن النظر يفيد العلم عن طريق التوليد؛ أي أن فعلا يوجب فعلا آخر. النظر فعل للإنسان يتولد منه فعل آخر هو العلم. النظر فعل من أفعال الشعور الداخلية، القصد إليه فعل الإنسان، ولكن النظر كفعل من أفعال الشعور لا دخل للإرادة فيه إلا من حيث القصد والنية والتوجه والفعل.
16
والتوليد حادث في الشعور، فالشعور تيار مستمر، تتوالى أفعاله فيتولد العلم. وهو الاستنباط الصوري القديم، استنباط النتائج من المقدمات، ولكن على مستوى أفعال الشعور. أما التذكر، فبالرغم من أنه يبدو غير مولد للعلم؛ لأن التذكر ليس فعلا إراديا مباشرا، إلا أنه في الحقيقة كالنظر، كلاهما فعلان من أفعال الشعور ومولدان للعلم. فالقصد إلى التذكر ممكن وبالتالي يكون فعلا إراديا كالنظر حين التوجه إليه. والنظر قد يكون مثيرا للتذكر، يأتي النظر بمادة المعرفة من الحاضر، ويأتي التذكر بمادة المعرفة من الخبرات المختزنة، وكلاهما يشترك في الدلالة. النظر يستدعي التذكر كما يستدعي الحاضر الماضي، وكلاهما يتحرك بالبواعث وينشط بالمقاصد والغايات. إذن فقد يولد التذكر العلم، فبالتذكر يمكن العثور على دلالات كانت غائبة ثم حضرت. وينشأ قياس النظر على التذكر أو قياس التذكر على النظر من أن كليهما من أفعال الشعور التي تحضر الدلالات وتولد العلم. ولا يعني القياس هنا إفادة الظن أو اليقين، بل يعني التماثل في أن كليهما من أفعال الشعور. التذكر نوع من النظر المفاجئ؛ إذ يتذكر الإنسان بغتة أو ينظر إلى الوراء إذا ما استرجع ذكرياته ورأى دلالاتها. ولا تتزاحم الذكريات فيكون إحداها أولى بالتوليد من الأخرى، لأن الذاكرة لا تعمل إلا بالدواعي، والدواعي أساس التكليف. لا يتذكر الإنسان إلا ما هو مدفوع نحوه، وما هو في حاجة إليه، وما يحياه في شعوره الحاضر من تحقيق المطالب أو تطلعه نحو المستقبل مثل الخوف من ترك النظر. وطالما أن العلم لا يتولد إلا بتذكر الأدلة وعدم نسيانها، فذلك يدل على أن التذكر كالنظر، كلاهما يولد العلم.
17
والمتولدات لا تروك لها، بل تتسم بالاستمرارية والتواصل، وإلا استدعى الأمر تولدا جديدا في كل حالة وانقطاع الذاكرة. وباصطلاح القدماء يولد الاعتماد الأكوان. النظر إذن واجب حالا بعد حال، ويولد العلم، ويستحق المكلف الثواب بفعله والعقاب بتركه. الزمان متصل، والواجب أيضا متصل، ولا حاجة إلى تجديد التكليف. الأمر على الدوام وليس على الانقطاع. تتوالد المعارف من بعضها البعض حتى ولو بدت منقطعة في لحظات. إن التصور الأشعري لأفعال الشعور الداخلية والخارجية يحتاج إلى تدخل إرادة خارجية مشخصة في كل لحظة من لحظات الشعور، وهو يقوم بأفعاله لأنه غير قادر بطبيعته على الاستمرارية والدوام. لا يتوقف الواجب إلا بوجود الموانع، وامتناع الشروط مثل الغفلة والنوم أو الجنون والبله والاخترام (الموت)، وعدم توافر الدواعي ووجود الصارف. لا يعني ذلك وقوعا في الجبرية، إذا حدث السبب حدث المسبب، بل يعني الاعتراف باستمرارية أفعال الشعور من البداية إلى النهاية. الارتباط وجوبي وليس ارتباطا عليا ماديا فحسب. الارتباط الأول هو الأساس والجوهر والثاني هو الفرع والظاهر. لا يعني ذلك «وجوب توبة الرامي قبل أن تصل الرمية» بل وجوبها عن قصد الرماية وهو قصد موجود. إذا كان المكلف قادرا على النظر فهو فاعل النظر، وهو القاصد إليه بحسب إرادته ودواعيه. بل إن أفعال الشعور مرتبطة بالدواعي والمقاصد. فالسهو طارئ، والترك عرضي.
18
ليست علاقة النظر بالعلم إذن علاقة صورية خارج الزمان، بل علاقة تنشأ في الزمان. يحتاج التوليد إلى زمان حتى يحدث النظر العلم. قد يحدث التوليد في اللحظة، وقد يحدث في التأني أو باصطلاح علماء أصول الفقه قد يحدث على الفور وقد يحدث على التراخي. ويرتبط الزمان بالاستعداد الطبيعي. يحتاج الشعور اليقظ إلى زمان أقصر مما يحتاجه الشعور البليد. كما يختلف إحساس كل منهما بالزمان من حيث الشدة والتوتر.
19
ولما كان النظر يتم في الوقت، فإنه قد يقع في الحال بعد حدوث الخاطر دون أن يكون محددا بوقت التكليف مثل الصلاة حاضرا أو قضاء، على الفور أو على التراخي، في الوقت المضيق أو الوقت الموسع. لا يعني ذلك أنه يحدث في أي وقت، بل في الوقت الأول للوجوب وفي الوقت الثاني لتوليد العلم، وفي الوقت الثالث للممارسة والفعل. ومع ذلك فقد يكون الأفيد للشعوب التي لا تشعر بوجوب النظر عليها أن يجب عليها في الحال، على الفور دون التراخي، وحاضرا دون قضاء، وفي الوقت المضيق دون الوقت الموسع، حتى يتم إيقاظها من سباتها.
Unknown page