1104

Al-Miʿyār al-muʿarrab waʾl-jāmiʿ al-mughrib ʿan fatāwā ahl Ifrīqiyya waʾl-Andalus waʾl-Maghrib

المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوي أهل إفريقية والأندلس والمغرب

ومنها التحدث مع العوام بما لا تفهمه ولا تعقل معنافإنه من باب وضع الحكمة في غير موضعها ، فسامعها إما أن يفهمها على غير وجهها ، وهو الغالب ، وذلك فتنة تؤدي به إلى التكذيب بالحق أو العمل بالباطل ، وإما ألا يفهم منها شيئا وهو أسلم ، ولكن المحدث لم يعط الحكمة حقها من الصون ، بل صار في التحدث بها كالعابث بنعمة الله . ثم إن ألقاها لمن لا يعقلها في معرض الانتفاع بها بعد تعقلها كان من باب التكليف بما لا يطاق ، وقد جاء النهي عن ذلك ، فخرج أبو داود حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الأغلوطات . قالوا : وهي صعاب المسائل أو شرار المسائل . وخرج عن كثير بن مرة الحضرمي أنه قال : إن عليك في علمك حقا كما أن عليك في مالك حقا ، لا تحدث بالعلم غير أهله فتأثم ، ولا تحدث بالحكمة عند السفهاء فيكذبوك ، ولا تحدث بالباطل عند الحكماء فيمقتوك .

[جلوس العلماء على الكراسي بدعة محدثة ]

ومنها ما أحدثه المنتسبون إلى العلم ولا سيما أهل المغرب من الجلوس على الكرسي . وقد كان من هدي العلماء في قعودهم أن يجتمع أحدهم في قعوده وينصب ركبتيه ، ومنهم من كان يقعد على قدميه ويضع مرفقيه على

[477 /2]

ركبتيه . وكذلك كانت شمائل كل من تكلم في هذا العلم من قبل أن تظهر الكراسي . وكذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم « أنه كان يقعد القرفصاء ويحتبي بيديه » ، وفي خبر آخر : « كان يقعد على قدميه ويجعل مرفقيه على ركبتيه » . وأول من قعد على الكرسي من أهل العلم يحيى بن معاذ بالري وأبو حمزة البغدادي ، فعاب الأشياخ ذلك عليهما . ولم تكن سيرة العارفين الذين يتكلمون في علم المعرفة واليقين ، وإنما كان جلوسهم الاحتباء . وكان يجلس متربعا النحويون وأهل اللغة وأبناء الدنيا من العلماء المفتين ، وهي جلسة المتكبرين .

Page 58