وكان مجلس الشيوخ مشرفا على شئون البلاد قرر أن تستولي الجمهورية على كل القرى والمدن الواقعة على شاطئ البحر الشمالي، وفي جملتها موقع الجزائر الحالي، وكل ما أمكن امتلاكه بين جبل طارق في آخر البحر المتوسط من ناحية الغرب إلى أطراف بلاد طرابلس وما يقابلها، وكذلك بعض أجزاء أوروبا من جنوب إسبانيا إلى حدود مرسيليا، واستولوا أيضا على جزيرتي سردينيا وكورسيكا، وجزء في صقلية ومالطة، وكانوا يستولون على كل هذه الأقطار بالتداخل السياسي والتجارة بدل الحرب، وهي طريقة الإنكليز في بعض ما ملكوا من الهند وسواها في التاريخ الحديث. ولكن هذا السؤدد لم يدم زمانا لأهل قرطاجة؛ لأن دولة رومية بدأت تحسدهم على هذه النعم وتطمع في اختلاسها منهم، وكان بدء الخصام بين الدولتين ثورة في مدينة صقلية؛ إذ طلب فريق من أهلها الانضمام إلى جمهورية رومية، وأراد الآخرون أن يبقوا تحت راية قرطاجة، فقامت الحرب الأولى بين الجمهوريتين، وكان الفوز في أوائلها للقرطاجيين، لما أن سفنهم الحربية كانت أكثر عددا وإتقانا، ولكن أهل رومية أسرعوا إلى بناء سفن جديدة على شكل السفن القرطاجية، فانتصروا بها واستولوا على جزيرة صقلية وجزيرة سردينيا، ثم توجهوا إلى قرطاجة ففتحوها عنوة مع أن قائدها أميكلار أبلى بلاء حسنا، وقاوم الأعداء زمانا طويلا، ولكنه قتل في إحدى المعارك وخلفه ابن أميكلار، وهو شاب في الثانية والعشرين من عمره، والقائد العظيم المشهور باسم هنبال أو (هنبعل) الذي يعده الناس إلى هذا الزمان من أكبر العارفين بأصول الخدمة الحربية؛ فإن هذا البطل الهمام دخل بلاد الرومانيين بجيش أكثر من أهل إسبانيا، وفاز في كل المعارك التي حدثت له مع أعدائه حتى إنه بلغ سور رومية، وأصبحت تلك الدولة العظيمة في خطر كبير، فما عرفت كيف تخلص من عدوها القاهر حتى فطنت إلى طريقة كانت هي القاضية؛ ذلك أنها جردت جيشا تحت قيادة رجل من سراتها، وسيرته على قرطاجة ليضايقها حتى يضطر هنبال إلى الخروج من بلاد إيطاليا والذهاب إلى وطنه ليدافع عنه، وقد تم ذلك لرومية، وعاد هنبال على كره منه بعد أن أفنى معظم جيشه في المعارك الطليانية التي دامت 14 سنة، وأبقت لهذا البطل الفينيقي أعظم ذكر في تاريخ الحروب، ولا سيما أنه كان أول قائد اجتاز جبال الألب بجيش جرار، وما فعل فعله في الزمان الحديث غير نابوليون الفاتح المشهور، قيل إن هنبال بكى حين جاءه أمر السناتو بالرجوع للدفاع عن وطنه؛ لأنه كان قد أقسم أن يدخل رومية ويهد أركانها، فما تم له المراد، ورجع بعد أن أفنى من جيشه 60 ألف بطل وبقي معه 40 ألفا فقط، وكان غيظه شديدا حين بلغ الوطن، ووجد أهله في خمول ورخاء لا يهتمون للدفاع عن استقلالهم، وقد انغمسوا في تجارتهم وصناعتهم حتى إنهم توسلوا إليه أن يعقد صلحا مع الأعداء بدل من أن يتحمسوا معه. وكانت خزانة حكومتهم فارغة من المال وليس لديها رجال يصلحون لإنجاد الجيش المحارب، بينا أن جيش رومية كان يزيد ويشتد من يوم إلى يوم، وقائده شيبيو يعتز ويضمن النصر ، فطلب هنبال مقابلته، وكان الرجل معسكرا على بعد أيام عن قرطاجة، فلما تقابل القائدان طلب شيبيو شروطا ثقيلة تقضي على حياة قرطاجة، فأبى هنبال قبولها، وتقدم الفريقان للحرب القاضية، والتقيا عند قرية اسمها زاما، وهنالك دارت رحى القتال الشديد، وبذل هنبال جهده في إدارة جنوده وهم يومئذ 40 ألفا، ولكنه كثر عليه العدد حتى قتل من رجاله نصفهم عدا من أسر، فأمرهم بالتراجع إلى المدينة، وعاد في اضطراب وأسف عظيمين زادهما ما لقي من فتور الهمم بين قومه واستسلامهم للأقدار، وكانت هذه الموقعة في سنة 203 قبل المسيح.
هنبال.
ورأى هنبال بعد هذه الكسرة أن دولة قومه زالت، وأنه لا بد من قتله إذا بقي في بلاده ففر منها وذهب إلى سورية، حيث أكرمه ملكها أنطيوخوس وأعلى مقامه؛ لأن الملك المذكور كان كارها للرومانيين، ولكن هنبال كره الحياة بعد ذله فتجرع سما ومات غريبا، واستسلم أهل قرطاجة بعد غيابه فسلموا كل سفنهم وأسلحتهم للرومانيين، وعدد السفن 500 أضرم القائد شيبيو فيها النار فأضاءت الفضاء بنارها أياما، ثم عاد بالأسلاب والغنائم إلى رومية حيث قابله قومه بالإكرام العظيم. واشتدت وطأة الحكام الرومانيين بعد هذا الانتصار على أهالي قرطاجة، حتى إنهم تآمروا مع الأهالي على خلع نير الطاعة، ومن ثم شبت الحرب القرطاجية الثانية مع رومية، وانتهت بالخضوع التام وضم قرطاجة وما يتبعها إلى أملاك الرومانيين، وكانت هذه الحرب شديدة الأهوال؛ لأن أهل قرطاجة ذاقوا طعم الاستبداد الروماني فتجند رجالهم ونساؤهم للحرب تحت قيادة أسدروبال، وجدوا في بناء السفن حتى إنهم كانوا يهدمون المنازل؛ ليبنوا المراكب بأخشابها ولا تفوتهم فرصة الانتقام والاستقلال، وجعلوا معابدهم معامل لصنع السلاح والتمرين، واستخدموا النساء والأولاد في عمل المهمات الحربية، وباعوا حلي نسائهم؛ ليشتروا بها ذخائر للحرب، وقطعت النساء شعورها؛ حتى تجعلها حبالا للسفن الحربية، وأظهر القوم غاية الأنفة والحماسة الوطنية حين أقبل الرومانيون عليهم بالجنود والسفن الحربية، فحصروا مدينة قرطاجة وأقاموا على الحصار سنتين وهم لا يتقدمون خطوة، وأهل المدينة ينسلون تحت جنح الظلام من حين إلى حين للبطش بجموعهم، ويأتون غرائب الصبر والإقدام في الدفاع عن الوطن العزيز، حتى إذا كانوا في سنتهم الثالثة من سني هذا الحصار قل الزاد داخل المدينة، واشتد الكرب والضيق، فجعل الرومانيون يوالون الهجمات، وهم أبدا على ازدياد مما يأتيهم من النجدات، واستمروا ستة أيام بلياليها يكرون ويهجمون، والمحصورون يردونهم بعزم الأبطال الأشداء، حتى تيسر لهم الدخول من سطح أحد المنازل المتطرفة، وجعلوا ينتقلون منه إلى السطوح الأخرى فوق ألواح من الخشب وضعوها لهذا الغرض، وأهل المدينة يضربونهم بقلب شديد، ولكن الدفاع لم يغن فتيلا؛ لأن الرومانيين تكاثروا في السطوح ودخلوا الشوارع ثم أضرموا النار في منازل المدينة، فرأى القائد أسدروبال أن الآخرة دنت، وأنه لم يبق بد من التسليم أو الفناء؛ فذهب إلى جهة القائد الروماني وبيده غصن زيتون علامة التسليم، ولكن زوجته سمعت الناس يقولون إنه خان الوطن بهذا التسليم، فهاج دم النخوة في عروقها، وبلغت بها الحماسة الوطنية مبلغ الجنون حتى إنها اقتادت ولديها، أحدهما باليمين والثاني بالشمال، ودخلت بهما الهيكل، ثم نادت بالناس فتبعوها كبارا وصغارا، وهنالك قالت لأهل وطنها إن الموت خير من التسليم للعدو، وأشارت بأن يحرق الهيكل وهم فيه فرضوا بما قالت، وأضرموا النار في موضعهم فالتهبت النار واحترقت هذه المرأة الشريفة مع ولديها وبقية أولئك الأبطال الكرام.
ولما استولت الجنود الرومانية على المدينة أكملت المصاب بالنار أيضا، عملا بأمر السناتو، فأحرقت المدينة العظيمة بكل ما فيها، وبقيت النيران تأكل تلك المنازل والقصور أسبوعا بأكمله، والناس داخل المدينة يتعذبون ويموتون حتى إذا فر أحدهم تلقاه الرومانيون بسلاحهم وقتلوه، وكان منظر ذلك الحريق الهائل وصراخ المحروقين والمعذبين يفطر الأكباد، ولكنه لم يؤثر في جنود الرومان؛ لأنهم لما انتهوا من أمر النار وخربت المدينة صدر لهم الأمر بدفن الموتى من أعدائهم فجعلوا يدفنون الحي مع الميت، وبهذا قضي على أعظم جمهورية شرقية قامت في التاريخ القديم، وكان مصابها الأخير في عام 146 قبل المسيح.
القرطاجنيون يستهلكون بالدفاع عن وطنهم.
وقد كانت قرطاجة عروس المدائن في زمانها ودار الأنس والصفاء والعز واليسار، بلغ عدد سكانها 700 ألف نفس، كثر فيها الأغنياء وأصحاب الذكاء، وكانت جوانب قرطاجة حافلة بالمعابد الفخيمة والقصور المنيفة والمتنزهات الجميلة، وهي مدة أجيال مصدر الصناعة والعلم ومرجع أصحاب المتاجر من جميع الأصقاع، وقد سادت وشادت خمسة قرون، كانت فيها مثال الحكمة والعدل، وبنت قواعدها على أساس الحكم الجمهوري، ونبغ من أهلها العظماء والكرام ورتع الأهالي في ظل عدلها، فما شكوا ظلما ولا هبوا لثورة في كل تلك القرون، وما زالت آثار هذه المدينة العظيمة على مقربة من ضواحي مدينة تونس الحالية، وقد بني فوقها مدن سيدي بومدين ومدينة المرسي؛ حيث قام قصر الباي، وغير هذا مما سنذكره في فصل سياحتنا التونسية.
السلطنة الرومانية
لما استولت رومية على بلاد قرطاجة جعلت ولايتها لرجل من سراتها اسمه ميشبسا، وهو جعل مقر حكومته في مدينة سيرتا (قسنطينة الآن)، وسار على خطة القرطاجيين في أنه عمر البلاد بالنازحين من أهل بلاده، وساعدهم على الارتحال ألوفا، وحاول أن يعلمهم طرق الإتجار مع الأهالي، ولكن أهل البلاد كانوا يكرهون الرومانيين بسبب أثرتهم واستبدادهم بعد الذي ذاقوا من حلاوة العدل القرطاجي. وبدأ هذا الوالي يبني القصور والمعابد في عاصمته الجديدة، وجر المياه إليها من المواضع البعيدة وبنى لبعضها القناطر على شكل قناطر الملك بيبرس في مصر، وبعضها باق إلى اليوم مع أنه مر 3000 سنة على بنائه. وكانت مدة حكم هذا الوالي 30 سنة، توفي بعدها، وقسم الملك قبل وفاته بين ولديه همبسال والدربال وابن أخيه جوجورتا، وكان هذا الأخير ذا شهرة وإقدام وطمع شديد، خدم الدولة الرومانية في بعض حروبها، ولما صار واليا طمع بملك ابني عمه، فأرسل رجلا إلى همبسال قتله واضطر الآخر إلى الفرار من وجهه حتى إنه قصد رومية؛ ليرفع أمره إلى السناتو فيها، ولكن جوجورتا أسرع إلى إرسال الوفود إلى رومية وزودها بالهدايا لبعض أعضاء المجلس، فلم يمكن الحكم لألدربال، بل إن المجلس أرسل وفدا إلى الولاية الأفريقية ليقسمها بين الرجلين، فكان القسم الأهم بحكم هذا الوفد لجوجورتا بسبب هباته ورشاويه. ولكن هذا الطماع لم يكتف بكل ذلك بل هو أشهر حربا على ابن عمه حال رجوع الوفد لسبب صغير، وحاصره في بلده، فرأى الدربال أن يعمل بشور البعض ويطلب مقابلة خصمه على شرط ألا يؤذيه، فوعده جوجورتا بذلك، ولكنه غدر ساعة المقابلة وقبض على ابن عمه وقتله أشنع قتلة، ودخل مدينة قسنطينة فنكل بكبارها وأكثر من الفظائع، حتى إن أهل رومية لما بلغتهم الأخبار لم يطيقوا صبرا على أعمال هذا الرجل، ولم يقدر حزبه على إيقاف تيار السخط، فأعلنت الحرب على هذا الطاغية، ودامت 7 سنين أظهر جوجورتا فيها مقدرة كبرى على الحيلة والتخلص، حتى إنهم أطلقوا عليه اسم هنبال الثاني.
ولكن أهل رومية عادوا إلى الشكوى من عجز دولتهم كل هذه المدة عن إخضاع أحد الولاة، وكان السبب في ذلك أن اثنين من القواد الرومانيين أهملا بدواعي الرشوة التي قدمها جوجورتا، فعين السناتو قائدا جديدا اسمه ماريوس، عرف بالعفة والإقدام، وكان معه جيش من أبطال الرومانيين، فضيق على جوجورتا في الحرب حتى اضطره إلى الفرار والالتجاء إلى حميمه والي مورتانيا (هي الآن إقليم وهران)، ولكن هذا الوالي خاف بطش رومية فسلمها صهره وأخذ جوجورتا أسيرا إلى العاصمة، حيث قضى بقية عمره في العذاب والشقاء جزاء سيئاته الكثار. وكان الرومانيون يهتمون كثيرا لهذه الولاية الأفريقية؛ لأن نصف القمح والزيت الذي يلزم لرومية كانوا يشحنونه من أراضي قرطاجة، وكان على هذه الولاية رجل فاضل عادل اسمه جوبا، ألف كتبا مفيدة، وأحسن السياسة في الناس وطال حكمه 54 سنة، فخلفه ابنه بطليموس وكان ضعيفا سيئ التدبير منغمسا في الملذات، فهب الأهالي للثورة عليه تحت قيادة رجل من زعمائهم اسمه تكفارنياس، كان قد انتظم في سلك الجيش الروماني حتى يتعلم الفنون الحربية، فكان خصما عنيدا لرومية، أرسلت عليه جيشا يقوده إيرونيوس ودامت الحرب زمانا؛ لأن الزعيم الوطني كان يلوذ بالقفار كلما أصابه انكسار في الحرب، ولكن القائد الروماني جعل مالا للذي يأتيه بهذا العاصي ميتا أو حيا، ثم عرف بوجوده في جهة أوزايا فباغته فيها، ونكل به وبجيشه في ساعة الفجر، وكان في هذه المعارك ما يشبه حوادث الحرب الحديثة التي حدثت بين جنود فرنسا والأمير عبد القادر الجزائري، وسيأتي بيانها. ولما استتب الأمن لرومية وخلصت من الثائرين، قسمت أفريقيا الشمالية، وعينت لكل ولاية واليا، وكان ذلك سنة 343 بعد المسيح. وقد ذهب القيصر أوغسطس بنفسه إلى هذه الولاية، ولما رأى موقع قرطاجة أمر بإعادة بنائها مخالفا أسلافه في ذلك، ولكنه اشترط ألا يزيد علو أسوارها عن مترين. ولما كانت قرطاجة بديعة الموقع فإنه لم يمر زمان حتى عمرت وكبرت وصارت ثالثة المدائن في السلطنة الرومية، لا يتقدمها في الأهمية غير رومية وإسكندرية، وذلك بعد الخراب السابق بنحو مائتي عام.
وتعاقب الولاة الرومانيون على هذه الولاية، فما كان لأحدهم أمر يستحق الذكر على نوع أخص غير القيصر أدريانوس، فإنه ذهب إلى أفريقيا بنفسه، وأنصف وعمر وشاد حتى إن الرومانيين بقوا كل مدة حكمهم يذكرون أيام هذا القيصر وآثاره، ولكنهم لم يزيدوا على أعماله شيئا. وكان في هذه البلاد جماعة كبيرة من اليهود نزحوا من فلسطين بعد أن فتحها القيصر نيطس ودمر عاصمتها أورشليم، وأما النصرانية، فإنها دخلت البلاد على يد قرطاجي اسمه ترتولين وخلفه مار أوغسطينوس المشهور، فنشر مبادئ النصرانية بين الأهالي وبنى الكنائس وملجأ للعجزة في مدينة هبون - وسيأتي الكلام عنها وعن الأساقفة - وأتى غير ذلك كثيرا من آيات الحض والإرشاد. وقد كان القياصرة والحكام الرومانيون يضطهدون النصارى هنا على عادتهم في تلك الأزمان، ويعذبونهم بالطرق الوحشية المعروفة في تاريخ النصرانية مدة القرون الأولى، وقد ظل القياصرة يتعاقبون حتى قام الإمبراطور فلانتين، وأشرك معه أخاه فالانس سنة 365 مسيحية، وكان ذلك العام بدء انقسام السلطنة الرومانية وتجزئتها؛ لأن الأخوين تقاسماها فخص فلانتين الولايات الغربية، جعل مدينة ميلانو في إيطاليا قاعدتها مؤقتا، وخص فالانس الولايات الشرقية وأقام في القسطنطينية. وحدث بعد ذلك أن الفندال تقدموا على ولايات السلطنة الرومانية في حكم الإمبراطور فلانتين الثالث وهو يومئذ قاصر تحت وصاية أمه بلاسيد، ودخلوا إسبانيا، فذهب بونيفاس معتمد السلطنة في الولايات الغربية إلى إسبانيا وقابل ملك الفندال، واتفق معه على احترام الحدود حقنا للدماء، وحدث أنه رأى ابنة آريوسيه بارعة الجمال في بلاط الملك فاقترن بها، وكان هذا موافقا لرغائب الملك؛ لأنه سهل عليه دخول أفريقيا.
Unknown page