Mashahid Mamalik

Idwar Ilyas d. 1341 AH
118

Mashahid Mamalik

مشاهد الممالك

Genres

وبقينا يوما آخر في شاموني طلبا للراحة، ثم عدنا إلى جنيف من طريق غير الذي سلكناه في المجيء، فقمنا في حافلة مثل عربات الأمنبوس صعدت الجبل بنا متعرجة ملتفة حسب العادة، وأكثر مسيرها على ضفة نهر آفر الذي يخرج من بحر الجليد وقد مر ذكره. ورأينا أن النهر ضيق المجرى، سريع كثير الصخور الزرقاء في مجراه، فهو سلسلة شلالات صغيرة لها دوي عظيم. وكانت الحافلة تنساب بين هذه المشاهد الساحرة للعيان، وتدخل من نفق إلى نفق، وكلما برزت من أحدها تجلت لنا المحاسن التي لا يصفها قلم أو لسان، أو تمر فوق جسور من الحديد علقت من طرف في تلك المرتفعات إلى طرف حتى بلغنا جهة تعرف باسم تريان، وهي في واد شاهق علوه 4250 قدما، وقنن من الجبال المكسوة بالثلج من حولها تعد بالعشرات، منها جبل يدعى مسلة البرج علوه 11585 قدما، والثلج في جوانبه إلى أبعاد بعيدة له منظر كاللجين حتى أطلقوا عليه اسم الفضية لهذا السبب، ومن هنا تتصل الطرق بشعاب سان برنار المشهورة بديرها وكلابها التي تنقذ المسافرين من الموت تحت الجليد، وهي في الطريق الذي سلكه نابوليون حين هاجم إيطاليا وفتحها في أوائل عهده بالحروب. وفي تريان هذه فندق أقمنا فيه ريثما استرحنا وتغذينا ثم أبدلنا خيل العربة وعدنا في طريق يعرف باسم الرأس الأسود، ومررنا في طريقنا بجبل الطير فنبه الأدلاء نظرنا إلى قمته التي كنا عازمين على بلوغها، فإذا بالنسور محلقة من فوقه، وهو على علو 8655 قدما. وكنا في كل هذه الطريق نرى شجر الصنوبر منسقا أحسن تنسيق صفوفا فوق صفوف، كأنها عولجت بالمقراض، وبعض هذه الأشجار ينمو فوق الصخور. ولقينا في الطريق صغارا من الصبية والبنات يبيعون أزهارا برية وفاكهة حتى بلغنا مدينة مارتيني، وهي تتصل بجنيف بسكة الحديد وبعدها عن تريان 4 ساعات وعن شاموني 8، واجتزنا المسافة بين مارتيني وجنيف بسكة الحديد في 3 ساعات مررنا فيها بجبل سان موريس الشهير، وكانت مناظر الجبال والوديان والبلاد كلها بين شاموني وجنيف في طريق الذهاب والإياب معا مجموع غرائب وبدائع طبيعية تخلب الألباب، وكثير من السياح يكتفون بالمناظر التي يمكن الوصول إليها بالعربة وسكة الحديد لحد شاموني فلا يعبئون بزيارة الجبل الأبيض مشيا وركوبا على البغال كما فعلنا؛ لأن في ذلك مشقة لا تخفى على القارئين.

من جنيف إلى مرسيليا:

لما انتهيت من هذه السياحة البهية في 31 أوغسطس قمت من جنيف إلى مرسيليا في قطار سكة الحديد مخترقا بلاد سافوا الجبلية، وهو يخرج من نفق ويدخل في نفق حتى اجتاز السابع، وبلغ مدينة بيل جارد، وهي واقعة على حدود فرنسا وسويسرا - كما قلنا في فصل غير هذا - وفيها جمرك فرنسوي يشددون فيه ويدققون في تفتيش عفش المسافرين؛ لأن أكثرهم يأتون بالأشياء المصنوعة في سويسرا، وهي عليها رسوم جمركية في فرنسا. وأما الذي يتنقل في مدائن سويسرا فإنه يستريح من عناء الجمارك وتفتيشها أينما سار. وقد قام القطار من بيل جارد في أرض فرنسا فبلغ ليون في الساعة 4 بعد الظهر، وجاء القطار السريع من باريس بعد نصف ساعة، فركبناه وسرنا به إلى مرسيليا، حيث بلغناها الساعة 10 من المساء، فكانت مدة السفر من جنيف إلى مرسيليا عشر ساعات.

وكان الغرض من حضوري إلى مرسيليا أن أذهب منها إلى الجزائر، وهي بلاد عربية قديمة العهد، لها تاريخ ممتزج بتواريخ مصر والشام يهم قراء اللغة العربية، وعليه عزمت على السياحة في بلاد الجزائر ووضعت لها خلاصة تاريخية حسب عادتي؛ ليكون المرء على بينة مما يقرأ عنها، وهي خلاصة مفيدة، بدأتها من عهد الفينيقيين فالرومانيين والفندال والروم والعرب والأتراك والفرنسويين، وأسهبت في الأسباب التي أدت إلى قيام وسقوط كل دولة على حدتها.

الجزائر

خلاصة تاريخية

رأيت صعوبة في جمع هذه الخلاصة التاريخية لما أن الكتب العربية، مثل تاريخ ابن خلدون وأبي الفداء مطولة، وكتب الإفرنج تسرد الأسماء العربية على طريقة بعيدة عن الصواب، ولكنني جمعت هذه المواد الآتية من عدة مؤلفات للعرب والأوروبيين.

يبدأ تاريخ الجزائر المعروف على عهد أجدادنا الفينيقيين، وقد تلاهم الرومانيون في حكم تلك البلاد ثم الفندال ثم الروم ثم العرب ثم الأتراك، ثم الفرنسويون، وهم أصحاب البلاد الآن. وكانت البلاد تعرف باسم ليبيا على عهد الرومانيين، وأهلها الأول من البربر يعيشون عيشة القبائل المنحطة، ولكنهم اشتهروا بالبأس والشدة فلم يخضعوا خضوعا صحيحا لأمة ملكتهم، ولم يأخذوا عنها شيئا من علومهم وحضارتهم، بل إنهم بقوا على عبادة الوثن ما خلا بعضهم دانوا بالإسلام بعد استيلاء العرب على بلادهم، وحدث كثيرا أن البلاد جزئت بين الفاتحين حتى إن هذه التجزئة ظهرت من عهد قريب - أي على عهد الأمير عبد القادر - حين تقرر أن يكون بعض البلاد له والبعض لفرنسا، ولم ترسم خريطة تامة للبلاد إلا من بعد إبعاد الأمير عبد القادر واستيلاء فرنسا عليها برمتها.

وقبل أن أذكر أمر الفينيقيين في هذه البلاد، أقول إن بلاد فينيقيا الأصلية كانت تمتد من وراء صور في شطوط الشام إلى رأس الخنزير على مقربة من اللاذقية. وكان في جملة المدائن الفينيقية صور، وهي العاصمة القديمة وصيدا وحيفا ويافا وبيروت وعكا وطرابلس واللاذقية، وكلها ثغور بحرية كما لا يخفى. وكان لهذه الأمة مراكز في أعالي الجبال، مثل رأس الكرمل فوق حيفا، ورأس النافورة والرأس الأبيض ورأس الدامور فوق صيدا، ورأس نهر الكلب فوق بيروت، ورأس الشقعة فوق طرابلس، والرأس البسيط فوق اللاذقية، حتى إنهم لما كثر عديدهم أوغلوا في داخلية البلاد وآثارهم كثيرة في قرى لبنان وجبال النصيرية فوق اللاذقية، وكانت جزيرة أرواد ما بين طرابلس واللاذقية من مراكزهم المهمة ، قيل إن اسمها هذا فينيقي بقي على حاله إلى اليوم، وفيها آثار لهم كثيرة إلى الآن.

وأما كيفية استيطان الفينيقيين لأقطار أفريقيا الشمالية، مثل تونس وطرابلس الغرب والجزائر ومراكش، فيقال فيه أن أميرة اسمها ديدون - وقيل في كتاب سيرة القديسين إن اسمها إليشير - هربت من وجه أخيها بجماليون ملك صور الذي قتل زوجها طمعا بثروته حوالي سنة 860 قبل المسيح، وأبحرت إلى حيث لا تدري، ومعها حاشية وأعوان، حتى ألقتها الأقدار عند موقع مدينة تونس الحالي، فألقت عصا الترحال فيها، واشترت أرضا من زعيم قبيلتها، وقيل إنها احتالت على هذا الزعيم وادعت أنها لا تريد غير بقعة صغيرة حتى إذا باعها واستقر بها النوى جعلت تتوسع في امتلاك الأرض مع أعوانها، وبنت مدينة قرطاجة المشهورة على مقربة من تونس، ثم تبعها أقوام من أهل وطنها فعمروا تلك الجهة تعميرا، وبنوا فيها بعض القلاع وأقاموا يتاجرون في البحار والأقطار، ولكنهم لم يسمع عنهم شيء غير الاشتغال بالتجارة مدة ثلاثة قرون بعد إنشاء مدينتهم إلا بعد خراب مدينة صور عاصمة فينيقيا الأصلية، حين فتحها بختنصر ملك بابل حوالي سنة 574 قبل المسيح، ودك معالمها وخرب ما فيها، فرحل الناس منها ومن بقية المدن الفينيقية إلى قرطاجة؛ لأنها بلغت في ذلك الزمان منزلة تذكر من التقدم والنماء. وكان أهل هذه المستعمرة جميعهم يشتغلون بالتجارة حتى عمال الحكومة منهم، وكانوا يعلمون الأهالي المجاورين لهم طرق المتاجرة والأرباح، ولم يهملوا الزراعة، بل إنهم أتقنوها وعلموا الأهالي طرق الانتفاع منها، وفرضوا على المزروعات مالا قليلا لا يمنع الناس من الانقطاع لها، وبذلك خدموا المدينة ورقوا حالة الأقوام المجاورة لهم، وبنوا المدائن والطرق، منها ما هو باق إلى اليوم ومطروق، مثل طريق الصحراء إلى السودان؛ فإنها طريق القوافل إلى هذا النهار. كذلك الصناعة حذقوا بعض فروعها، وقد عثروا على آثار كثيرة من الحلي الذهبية والفضية صنع الفينيقيين، تشهد لهم بالتفنن والذكاء، وهي الآن في متحف قرطاجة، وسنعود إليه. وكان لهذه المستعمرة جيش، معظمه من غير العنصر الفينيقي؛ لأن شبانهم كانوا يستأجرون أفرادا من أهل أفريقيا للقيام بهذه الخدمة عنهم، واشتهروا بحكومتهم الجمهورية مع أنهم عاشوا في عصور الاستبداد والحكم المطلق، فكان لهم مجلس (سناتو)، أعضاؤه مائة ينتخبون من الشعب كل سنة، وهم حكام المستعمرة وقضاتها ووزراؤها معا؛ لأن مجلسهم كان يشهر الحروب، ويعقد المحالفات ويقضي في مسائل الناس. واتسع نطاق تجارتهم في جميع الأنحاء فبنوا المواني الواسعة وأكثروا من السفن ترتاد البحار، حتى إنهم بلغوا شطوط البلطيق في الشمال وشطوط البحر الهندي وخليج فارس في الجنوب، وقيل أكثر من ذلك مما لم تؤيده الآثار والأخبار، وكانوا يذهبون بسفنهم إلى مصر؛ ليشتروا منها الحبال والقماش لمراكبهم والورق والقمح وغير ذلك، واختلفوا إلى ثغور البحر الأحمر حيث كانوا يأتون بالتبر والأفاوية والعطور والبخور، وكانوا في كل هذه المواضع يعطون الأهالي بدل هذه الأشياء أقمشة من صنع بلادهم، ملونة أكثرها باللون الأرجواني، وهم أول من اهتدى إلى صنعه وبعض الأدوات المعدنية من الحديد والنحاس، والرصاص كانوا يستخرجونه من إقليم توميد، فاشتهروا بهذا بين طوائف الأقدمين.

Unknown page