Marāḥ Labīd li-kashf maʿnā al-Qurʾān al-majīd
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
Editor
محمد أمين الصناوي
Publisher
دار الكتب العلمية - بيروت
Edition
الأولى - 1417 هـ
ذلك من استخراجاتهم وكنا لهم حافظين (82) ، حتى لا يخرجوا من أمره، وحافظين من أن يفسدوا ما عملوا، فكان دأبهم أنهم يعلمون بالنهار، ثم يفسدونه في الليل، ومن أن يهيجوا أحدا على أحد في زمانه عليه السلام. وأيوب أي آتيناه حكما إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين (83) .
وكان أيوب عليه السلام روميا من ولد عيص بن إسحاق، وكانت أمه من ولد لوط، وكان الله تعالى قد جعله نبيا وقد أعطاه من الدنيا حظا وافرا من النعم، والدواب، والبساتين، وأعطاه ولدا من رجال ونساء. وكان رحيما بالمساكين، وكان يكفل الأيتام، والأرامل، ويكرم الضيف.
فابتلاه الله تعالى بهلاك أولاده بهدم بيت عليهم، وذهاب أمواله والمرض في بدنه ثماني عشرة سنة. فإنه خرج من فرقه إلى قدمه ثآليل، وقد وقعت في جسده حكة لا يملكها، وكان يحك بأظفاره حتى سقطت أظفاره، ثم حكها بالمسوح الخشنة، ثم حكها بالفخار والحجار ولم يزل يحكها حتى تقطع لحمه وأنتن، فأخرجه أهل القرية وجعلوه على كناسة، وجعلوا له عريشا.
روي أن امرأته ما خير بنت ميشا بن يوسف عليه السلام، أو رحمة بنت إفرايم بن يوسف، قالت له يوما: لو دعوت الله تعالى. فقال: كم كانت مدة الرخاء؟ فقالت: ثمانين سنة. فقال:
أستحي من الله أن أدعوه، وما بلغت مدة بلائي مدة رخائي. وروي أن إبليس أتاها على هيئة عظيمة فقال: أنا إله الأرض فعلت بزوجك ما فعلت، لأنه تركني وعبد إله السماء لو سجدت لي سجدة لرجعت المال والولد وعافيت زوجك. فرجعت إلى أيوب وكان ملقى في الكناسة، لا يقرب منه أحد، فأخبرته بالقصة فقال عليه السلام: «كأنك افتتنت بقول اللعين لئن عافاني الله تعالى لأضربنك مائة سوط، وحرام علي أن أذوق بعد هذا شيئا من طعامك وشرابك، فطردها، فذهبت، فبقي طريحا في الكناسة لا يحوم حوله أحد من الناس، فلما نظر أيوب شأنه وليس عنده طعام، ولا شراب ولا صديق، وقد ذهبت امرأته خر ساجدا فقال: رب أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين. فقال تعالى: ارفع رأسك فقد استجبت لك، اركض برجلك، فركض برجله، فنبعت من تحته عين ماء فاغتسل منها، فلم يبق في ظاهر بدنه دابة إلا سقطت منه، ولا جراحة إلا برئت، ثم ركض برجله مرة أخرى، بعد أن مشى أربعين خطوة فنبعت عين أخرى فشرب منها، فلم يبق في جوفه داء إلا خرج، وعاد صحيحا، ورجع إليه شبابه وجماله حتى صار أحسن، ثم كسي حلة فلما قام جعل يلتفت فلا يرى شيئا مما كان له من الأهل والولد، والمال، إلا وقد ضاعفه الله تعالى، حتى روي أن الماء الذي اغتسل منه تطاير على صدره جرادا من ذهب، فخرج حتى جلس على مكان مشرف. ثم إن امرأته قالت في نفسها: هب أنه طردني أفأتركه حتى يموت جوعا وتأكله السباع، لأرجعن إليه، فلما رجعت ما رأت تلك الكناسة، ولا تلك الحال وقد تغيرت الأمور، فجعلت تطوف حيث كانت الكناسة وتبكي وهابت صاحب الحلة أن تأتيه وتسأله
Page 58