بنيت حقوق المرأة في القرآن الكريم على أعدل أساس يتقرر به إنصاف صاحب الحق، وإنصاف سائر الناس معه، وهو أساس المساواة بين الحقوق والواجبات.
فالمساواة ليست بعدل إذا قضت بمساواة الناس في الحقوق على تفاوت واجباتهم وكفاياتهم وأعمالهم، وإنما هي الظلم كل الظلم للراجح والمرجوح. فإن المرجوح يضيره ويضير الناس معه أن يأخذ فوق حقه، وأن ينال فوق ما يقدر عليه، وكل من ينقص من حق الراجح يضيره؛ لأنه يغل من قدرته، ويضير الناس معه؛ لأنه يحرمهم ثمرة تلك القدرة، ويقعدهم عن الاجتهاد في طلب المزيد من الواجبات، مع ما يشعرون به من بخس الحقوق.
والمشترعون المحدثون يصلحون عيب المساواة المطلقة بما يدعونه مساواة في الفرصة، وهو إصلاح مطلوب في تقدير العدالة الاجتماعية، عند معرفة الفرصة واحتمال الاختلاف فيها على حسب اختلاف الأفراد والأحوال. ولكن الاحتياط بمساواة الفرصة عبث عند اختلاف الجنسين واختلاف وظيفة كل منهما بحكم الفطرة ونتائجها في العلاقات الاجتماعية. فلا محل هنا لتعليق المساواة بالفرصة السانحة؛ إذ كانت الفرصة هنا مقرونة بأوضاع الطبيعة التي لا تبديل فيها. فليست هنالك فرصة تنتظرها المرأة تبدل من وظائفها، ومن نتائج هذه الوظيفة في واجباتها الفطرية والاجتماعية، وليست هنالك فرصة تسوي بين الرجل والمرأة؛ حيث لا مساواة بينهما في تركيب البنية ولا في خصائص التركيب.
وليس من العدل أو من المصلحة أن يتساوى الرجال والنساء في جميع الاعتبارات، مع التفاوت بينهم في أهم الخصائص التي تناط بها الحقوق والواجبات.
وبين الرجال والنساء ذلك التفاوت الثابت في الأخلاق الاجتماعية، وفي الأخلاق الفطرية، وفي مطالب الأسرة، ولا سيما مطالب الأمومة وتدبير الحياة المنزلية .
فمن الثابت أن المرأة لم تستقل في حياة النوع كله بالقوامة على الأخلاق الاجتماعية، ولم يكن لها العمل الأول قط في إنشاء قيم العرف والآداب العامة، ولم يكن خلقها مستمدا من الغريزة، فهو في الجانب الاجتماعي منه خاضع لقوامة الرجل وإشرافه فيما هو أقرب الأمور بها، وألصقها بتكوينها، وأبرزها بالنسبة إليها خلق الحياء، وخلق الحنان، وخلق النظافة التي تشمل الزينة بأنواعها. •••
ومن الثابت كذلك أن الأخلاق الفطرية في المرأة عرضة للتناقض الذي لا مناص منه بين مطالب الأنوثة، ومطالب الكائن الحي في البيئة الاجتماعية، فلا مناص من التناقض بين شعور الأنثى التي تحس أكبر السعادة في الاستكانة إلى الرجل الذي تنضوي إليه لما تأنسه فيه من القوة والغلبة، وبين شعور الفرد الذي يبلغ تمامه بالاستقلال عن كل فرد يفتئت على حدوده الشخصية. ولا مناص من التناقض بين فرح الأم بتمام أنوثتها ساعة الولادة وبين فزع الكائن الحي من الخطر على حياته، ويقرب منه التناقض بين اكتفاء وظيفة النوع عند حصول الحمل، وبين عبث الشهوة الجسدية لغير ضرورة نوعية. ولن يذهب هذا التناقض المتغلغل في أعماق البنية بغير أثره المحتوم في استقلال الخلق، وشعور الجد والصدق والصراحة.
وإذا صرفنا النظر عن التفاوت المستكن في الطباع، وتخيلنا لغير حجة معقولة أنه لا يمنع التسوية بين الجنسين في الكفايات والواجبات، فالتفاوت بعد ذلك مسألة من مسائل الوقت وتوزيع العمل بين كل منهما بما يقتضيه وقته المملوك له لأداء عمله. فليس لدى المرأة وقت يتسع لما يتسع له وقت الرجل من المطالب العامة، مع اشتغالها بمطالب الحمل والرضاع والحضانة وتدبير الحياة المنزلية.
ونظام الأسرة يستلزم تقرير الرئاسة عليها لواحد من الاثنين: الزوج أو الزوجة، ولا يغني عن هذه الرئاسة ولا عن تكاليفها، أن نسمي الزواج شركة بين شريكين متساويين، وتوفيقا بين حصتين متعادلتين. فإن الشركة لا تستغني عمن يتخصص لولايتها، ويسأل عن قيامها، وينوب عنها في علاقتها بغيرها. وليس من المعقول أن تتصدى الزوجة لهذه الولاية في جميع الأوقات؛ إذ هي عاجزة عنها على الأقل في بعض الأوقات، غير قادرة على استئنافها حين تشاء. •••
هذه الفوارق بين الجنسين تدخل في حساب الشريعة لا محالة عند تقرير الحقوق والواجبات بينهما، وتأبى كل مساواة لا تقوم على أساس المساواة بين الحق والواجب، وبين العمل والكفاية.
Unknown page