فشريعة «مانو» في الهند لم تكن تعرف للمرأة حقا مستقلا عن حق أبيها أو زوجها أو ولدها في حالة وفاة الأب والزوج، فإذا انقطع هؤلاء جميعا وجب أن تنتمي إلى رجل من أقارب زوجها في النسب، ولم تستقل بأمر نفسها في حالة من الأحوال. وأشد من نكران حقها في معاملات المعيشة نكران حقها في الحياة المستقلة عن حياة الزوج، فإنها مقضي عليها بأن تموت يوم موت زوجها، وأن تحرق معه على موقد واحد، وقد دامت هذه العادة العتيقة من أبعد عصور الحضارة البرهمية إلى القرن السابع عشر، وبطلت بعد ذلك على كره من أصحاب الشعائر الدينية. وشريعة حمورابي التي اشتهرت بها بابل كانت تحسبها في عداد الماشية المملوكة، ويدل على غاية مداها في تقدير مكانة الأنثى، أنها كانت تفرض على من قتل بنتا لرجل آخر أن يسلمه بنته ليقتلها أو يملكها إذا شاء أن يعفو عنها، وقد يضطر إلى قتلها لينفذ حكم الشريعة المنصوص عليها.
وكانت المرأة عند اليونان الأقدمين مسلوبة الحرية والمكانة في كل ما يرجع إلى الحقوق الشرعية، وكانت تحل في المنازل الكبيرة محلا منفصلا عن الطريق، قليل النوافذ محروس الأبواب، واشتهرت أندية الغواني في الحواضر اليونانية لإهمال الزوجات وأمهات البيوت وندرة السماح لهن بمصاحبة الرجال في الأندية والمحافل المهذبة، وخلت مجالس الفلاسفة من جنس المرأة، ولم تشتهر منهن امرأة نابهة، إلى جانب الشهيرات من الغواني أو من الجواري الطليقات. وقد كان أرسطو يعيب على أهل «إسبرطة» أنهم يتساهلون مع النساء عشريتهم، ويمنحونهن من حقوق الوراثة والبائنة وحقوق الحرية والظهور ما يفوق أقدارهن، ويعزو سقوط «إسبرطة» واضمحلالها إلى هذه الحرية، وهذا الإسراف في الحقوق.
وربما ظن الذين يسمعون عن هذه الحرية «الإسبرطية» أنها ثمرة من ثمرات الارتقاء في تقدير حق الإنسان من الذكور والإناث. فخليق بهؤلاء أن يذكروا أن إنكار حق الإنسان قد بلغ غايته من القسوة في نظام الرق العريق بين الإسبرطيين، وأن ما شاع بينهم من الاسترقاق ومن التساهل مع النساء معا، هما ظاهرتان متماثلتان لعلة واحدة في معيشة الإسبرطيين، وهي اشتغال الرجال الدائم بالقتال، وتركهم ما عداه اضطرارا لتصرف المرأة في غيبة الأزواج والآباء. فهذه «الحرية النسوية» وذلك الاستعباد للأسرى هما ظاهرتان لعلة واحدة، لا نصيب لها من مبادئ الحرية والاعتراف بالحقوق، وقد نالت المرأة شيئا من المجاملة والطلاقة في عهود الفروسية جمعاء لمثل هذه العلة، وكانت مجاملة المرأة في تلك العهود ضربا من الأنفة أن تعامل معاملة الأعداء، وأن تحاسب محاسبة الأنداد. ولم يكن أسوأ من النساء حالا في عهود الفروسية المتقدمة، فيما عدا هذه المجاملات أو هذه التحيات اللسانية، وقد كانت «الخاتون» تعيش إلى جانب الجواري المسرفات حيثما تفرغ الرجال لصناعة القتال، وكذلك كان شأنها بين قبائل المغول، وبين قبائل الفرنك والغاليين من الأوروبيين، وكانت مع هذا تحرم الميراث في الإقطاعات يوم شاع نظام الإقطاع والفروسية معا بين أولئك الأقوام.
ومذهب الرومان الأقدمين كمذهب الهنود الأقدمين في الحكم على المرأة بالقصور حيث كانت لها علاقة بالآباء أو الأزواج أو الأبناء، وشعارهم الذي تداولوه إبان حضارتهم أن قيد المرأة لا ينزع، ونيرها لا يخلع، ومن ذلك قول «كاتو» المشهور:
Nunguam exvitur Servitus muliebris .
ولم تتحرر المرأة الرومانية من هذه القيود إلا يوم أن تحرر منها الأرقاء، على أثر التمرد ثورة بعد ثورة، وعصيانا بعد عصيان، فتعذر استرقاق المرأة كما تعذر استرقاق الجارية والغلام. •••
وانفردت الحضارة المصرية القديمة بإكرام المرأة، وتخويلها حقوقا «شرعية» قريبة من حقوق الرجل، فكان لها أن تملك، وأن ترث، وأن تتولى أمر أسرتها في غياب من يعولها، ودامت للمرأة المصرية هذه الحقوق على أيام الدول المستقرة بشرائعها وتقاليدها، تضطرب مع اضطراب الدولة، وتعود مع عودة الطمأنينة إليها، بيد أن الحضارة المصرية زالت وزالت شرائعها معها قبل عصر الإسلام، وسرت في الشرق الأوسط يومئذ غاشية من كراهة الحياة الدنيا بعد سقوط الدولة الرومانية بما انغمست فيه من ترف وفساد، ومن ولع بالملذات والشهوات، فانتهى بهم رد الفعل إلى كراهة البقاء وكراهة الذرية، وشاعت في هذه الفترة عقيدة الزهد والإيمان بنجاسة الجسد ونجاسة المرأة، وباءت المرأة بلعنة الخطيئة، فكان الابتعاد منها حسنة مأثورة لمن لا تغلبه الضرورة. ومن بقايا هذه الغاشية في القرون الوسطى أنها شغلت بعض اللاهوتيين إلى القرن الخامس للميلاد، فبحثوا بحثا جديا في جبلة المرأة، وتساءلوا في مجمع «ماكون» هل هي جثمان بحت؟ أو هي جسد ذو روح يناط بها الخلاص والهلاك؟ وغلب على آرائهم أنها خلو من الروح التاجية، ولا استثناء لإحدى بنات حواء من هذه الوصمة غير السيدة العذراء أم المسيح عليه الرضوان.
وقد غطت هذه الغاشية في العهد الروماني على كل ما تخلف من حضارة مصر الأولى في شأن المرأة، وكان اشتداد الظلم الروماني على المصريين سببا لاشتداد الإقبال على الرهبانية والإعراض عن الحياة، وما زال كثير من النساك يحسبون الرهبانية اقترابا من الله وابتعادا من حبائل الشيطان، وأولها النساء.
ومن المتواتر في أقوال أناس من المؤرخين الغربيين، أن الإسلام ينقل شريعته من الشرائع التي تقدمته، ولا سيما الشريعة الموسوية. ولا يتضح بطلان هذه الدعوى من شيء كما يتضح من المقابلة بين مركز المرأة في حقوقها الشرعية كما نصت عليها كتب التوراة، ومركز المرأة في حقوقها الشرعية التي قررها الإسلام بأحكام القرآن.
فالمأثور عن الكتب المنسوبة إلى موسى عليه السلام أن البنت تخرج من ميراث أبيها إذا كان له عقب من الذكور، وما عدا هذا الحكم الصريح فهو من قبيل الهبة التي يختارها الأب في حياته، حيث لا يجب الميراث وجوب الحقوق الشرعية بعد الوفاة. ومثل هذه الهبة ما أعطاه إبراهيم ابنه إسماعيل عليهما السلام، كما جاء في الإصحاح الحادي والعشرين من سفر التكوين: «إذ قالت سارة لإبراهيم: اطرد هذه الجارية وابنها لأن ابن هذه الجارية لا يرث مع ابني إسحاق، فقبح الكلام جدا في عيني إبراهيم لسبب ابنه، فقال الله لإبراهيم: لا يقبح في عينك من أجل الغلام ومن أجل جاريتك، وفي كل ما تقول لك سارة اسمع لقولها؛ لأنه بإسحاق يدعى لك نسل.»
Unknown page