Manhaj Fi Fikr Carabi Mucasir
المنهج في الفكر العربي المعاصر: من فوضى التأسيس إلى الانتظام المنهجي
Genres
79
ويعزز هذا التوجه بما انتهى إليه ريجيس دوبري الذي استعار منه هذا المفهوم في دراسته للعقل السياسي من التمييز بين المفهومين «اللاشعور الجمعي» و«اللاشعور السياسي»، حيث جعل من هذا الأخير مفهوما مستقلا.
ويقدم الجابري في صفحات الكتاب توضيحات حول المفهوم وطريقة اشتغاله في موضوعه الأول، نقد التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي ومنهجيته في التوظيف داخل سياقه الجديد: العقل السياسي العربي. يقول: «هذا ونحن عندما نستعير مفهوم اللاشعور السياسي من دوبري لا نأخذه بكل حمولته ولا بنفس مضمونه، بل نتصرف فيه بالقدر الذي يفرضه موضوعنا الذي يختلف اختلافا غير قليل عن موضوعه»،
80
مع فارق في الزمن التاريخي بين المجتمع الذي فكر فيه دوبري، والمجتمع الذي فكر فيه الجابري.
الأول احتلت فيه الصناعة والعلاقات الاجتماعية مكانا يقع خلف الموقع الذي تحتله العلاقات الاقتصادية المتطورة: علاقات الإنتاج. أما المجتمع العربي فالأمر يكاد يكون بالعكس، كما يقول، فالعلاقات العشائرية والطائفية ما تزال تحتل موقعا أساسيا وصريحا في حياتنا السياسية قديما وحديثا، بينما العلاقات الاقتصادية وعلاقات الإنتاج لا تهيمن على المجتمع إلا بصورة جزئية،
81
في محاولة لقلب الأوضاع بين المجتمعين، مع الإبقاء على خطوط التماس بينهما؛ الأوروبي قبل علاقات الإنتاج والصناعة، والعربي في وضعه الحالي الذي تهيمن عليه نفس العلاقات، ويعبر عن هذا التوجه في قوله: «وهكذا فإذا كانت وظيفة مفهوم «اللاشعور السياسي» عند دوبري هي إبراز ما هو عشائري وديني في السلوك السياسي في المجتمعات الأوروبية المعاصرة، فإن وظيفته بالنسبة إلينا ستكون بالعكس من ذلك إبراز ما هو سياسي في السلوك الديني والسلوك العشائري داخل المجتمع العربي القديم والمعاصر (...) فاللاشعور السياسي المؤسس للعقل العربي يجب ألا ينظر إليه فقط على أنه «الديني» و«العشائري» اللذان يوجهان من خلف الفعل السياسي، بل لا بد من النظر إليه أيضا على أنه السياسي الذي يوجه من خلف التمذهب الديني والتعصب المذهبي.»
82
فهذه التراتبية التي يقيمها الجابري انطلاقا من تحليل دوبري مع تغييرات طفيفة - دون أن يقدم المبررات الكافية - تجعل التحليل في نظرنا عسيرا في كثير من تفاصيله؛ لأنه قياس على غير قياس، وبناء على غير بناء. ويعزز الجابري هذا البناء المفاهيمي بمفهوم آخر يعتبره المرجعية العامة للعقل السياسي: إنه مفهوم «المخيال الاجتماعي»
Unknown page