171

Kitab al-Manazir

كتاب المناظر

Genres

[42] وأيضا فإن المعاني التي تتكرر في المبصرات وتدرك بالتمييز والقياس تستقر معانيها في النفس من حيث لا يحس الإنسان باستقرارها ولا يكون لاستقرارها ابتداء محسوس، لأن الإنسان منذ طفوليته يدرك المبصرات ومنذ طفوليته فيه بعض التمييز، وخاصة التمييز الذي به تدرك المعاني المحسوسة، فهو يدرك المعاني المحسوسة بالتمييز والقياس، ويكتسب معرفة المعاني المحسوسة، وتتكرر عليه المعاني المحسوسة على استمرار الزمان فتستقر معانيها في نفسه من حيث لا يحس باستقرارها، فيصير المعنى الجزئي الذي أدركه بالتمييز والقياس ثم استقر في نفسه بكثرة تكرره في المبصرات إذا ورد عليه أدر كه في حال وروده بالمعرفة، ومع ذلك لا يحس بكيفية إدراكه، ولا يحس أيضا بكيفية معرفته ولا كيف استقرت معرفة ذلك المعنى في نفسه. فجميع المعاني الجزئية التي تدرك بقياس وتمييز وتتكرر في المبصرات قد أدركها الإنسان على مر الزمان وحصلت معانيها مستقرة في النفس وصار لكل معنى من المعاني الجزئية صورة كلية مستقرة في النفس، فهو يدرك هذه المعاني من المبصرات بالمعرفة وبالعادة ومن غير استئناف للتمييز والقياس الذي به أدرك حقيقة ذلك المعنى، ومن غير إدراك لكيفية إدراكه في حال إدراكه، ومن غير إدراك لكيفية معرفته في حال معرفته، وليس يبقى شيء تحتاج إلى استئناف قياس وتمييز يزيد على المعرفة إلا المعاني الجزئية التي في الأشخاص الجزئية، كشكل في مبصر معين أو وضع مبصر معين أو عظم مبصر معين، أو قياس لون في مبصر معين بلون في مبصر معين، أو قياس صورة معينة إلى صورة معينة، وما جرى مجرى ذلك فى الأشخاص الجزئية. وعلى هذه الصفات يكون إدراك جميع المعاني الجزئية التي تكون في المبصرات.

[43] وإذ قد تبين جميع ذلك فإنا نشرع الآن في تبيين كيفيات إدراك كل واحد من المعاني الجزئية التي تدرك بحاسة البصر وكيفيات المقاييس التي بها تكتسب القوة المميزة المعاني المدركة بحاسة البصر.

Page 230