170

Kitab al-Manazir

كتاب المناظر

Genres

[39] فإذا تؤملت أفعال الأطفال وجد فيها كثير من المعاني التي لا تتم إلا بتمييز وقياس ما. وإذا كان ذلك كذلك فالطفل إذن يقيس ويميز. ولا خلاف ولا شبهة في أن الطفل لا يعرف معنى القياس ولا يعلم ما هو القياس، ولا يحس في حال ما يقيس أنه يقيس، ولو أفهم أيضا معنى القياس لم يفهمه. فإذا كان الطفل يقيس وهو لا يعلم ما القياس فالنفس الإنسانية إذن مطبوعة على القياس، وهي تقيس أبدا وتدرك جميع ما يدرك بالقياس من المعاني المحسوسة ومن المعاني الظاهرة في أكثر الأحوال بغير تكلف ولا تعمل، ولا يحس الإنسان في الحال عند إدراك ما هذه صفته أن إدراكه إنما هو بقياس. إلا أن المعاني التي تدرك بالقياس على هذه الصفة إنما هي المعاني الظاهرة التي مقدماتها في غاية الظهور وتدرك باليسير من القياس وفي أقل القليل من الزمان. فأما المعاني التي مقدماتها ليست بكل الظاهرة ومقاييسها تحتاج إلى فضل تكلف، فإن الإنسان إذا أدركها ر بما أحس في الحال أن إدراكها إنما هو بالقياس إذا كان صحيح التمييز وكان يعرف معنى القياس.

[40] فقد تبين من جميع ما شرحناه أن المعاني التي تدرك بحاسة البصر منها ما يدرك بمجرد الإحساس ومنها ما يدرك بالمعرفة ومنها ما يدرك بتمييز وقياس يزيد على المعرفة، وأن الذي يدرك بتمييز وقياس يزيد على المعرفة إذا تكرر إدراك البصر له واستقر فهمه في النفس صار إدراكه من بعد ذلك بالمعرفة، وأن كيفية إدراك المعاني الجزئية المدركة بحاسة البصر ليس تظهرفي أكثر الأحوال لسرعة ماتدرك بالعرفة ولسرعة القياس الذي تدرك به المعاني المبصرة في أكثر الأحوال، ولأن القوة المميزة مطبوعة على هذه المقاييس وليس استعمالها لها بالفكر والتكلف بل بالطبع والعادة.

[41] وأيضا فإن الإنسان منذ طفوليته ومنذ مبدأ منشئه وعلى مرور الزمان يدرك المبصرات ويتكرر عليه إدراك المبصرات، فليس شيء من المعاني الجزئية التي تدرك بحاسة البصر إلا وقد تكرر إدراك البصر لها. فقد صارت جميع المعاني الجزئية التي تدرك بالقياس مفهومة عند القوة المميزة ومستقرة في النفس، فقد صارت القوة المميزة تدرك جميع المعاني الجزئية التي تتكرر في المبصرات بالمعرفة وبالعادة وليس تحتاج إلى استئناف قياس في إدراك شيء من المعاني الجزئية التي تتكرر في المبصرات.

Page 229