168

Kitab al-Manazir

كتاب المناظر

Genres

[36] وأيضا فإن المعاني المبصرة التي تدرك بالقياس والمعاني التي تدرك بالمعرفة ليس تظهر في أكثر الأحوال كيفيات إدراكها في حال إدراكها، لأن إدراكها في غاية السرعة ولأن إدراك كيفية الإدراك إنما يكون بقياس ثان غير القياس الذي به وقع الإبصار. والقوة المميزة ليس تستعمل هذا القياس الثاني في الوقت الذي تدرك فيه معنى من المعاني المبصرة، ولا تميز كيف أدركت ذلك المعني، ولا تقدر على هذه الحال لسرعة إدراكها للمعاني المدركة بالعرفة ولسرعة إدراكها للمعاني المدركة بالقياس الذي مقدماته ظاهرة ومستقرة في النفس. وكذلك جميع المعاني المدركة بالمعرفة وجميع المعاني المدركة بالقياس الذي مقدماته ظاهرة ومستقرة في النفس وإدراكها في غاية السرعة ليس يظهر في حال إدراكها كيفية إدراكها، لأن كيفية الإدراك ليس يدرك إلا بقياس ثان وليس تستعمل القوة المميزة هذا القياس الثاني في حال إدراك المعاني التي إدراكها في غاية السرعة وبالمعرفة. ولهذه العلة صار كثير من القضايا الصادقة التي تدرك بالمعرفة، وأصل استقرار صحتها بالقياس، لايحس بكيفية إدراك صحتها في حال ورودها، لأن القوة المميزة إذا وردت عليها هذه المعاني فهي تحكم بصحتها بمعرفتها ولاستقرار صحتها عندها، وفي حال معرفتها ليس تبحث عن كيف كان استقرار صحتها في الأول، ولا تبحث عن كيفية إدراكها لصحتها في حال ورودها ومعرفتها، ولا متى استقرت صحتها عندها.

[37] وأيضا فإن القياس الثاني الذي به تدرك القوة المميزة كيفية إدراكها لا تدركه ليس هو قياسا في غاية السرعة بل يحتاج إلى فضل تأمل. لأن الإدراكات تختلف فمنها ما يكون بفطرة العقل، ومنها ما يكون بالمعرفة، ومنها ما يكون بفضل تمييز وتأمل. فإدراك كيفية الإدراك، وأي هذه الإدراكات هو، ليس يكون إلا بقياس، وبقياس بفضل تأمل وتمييز، لا قياسا في غاية السرعة. فالقوة المميزة إذا أدركت معنى من المعاني بالمعرفة أو بقياس في غاية السرعة فليس تدرك كيفية ذلك الإدراك في حال الإدراك. ولهذه العلة ليس يظهر في أكثر الأحوال كيفية إدراك المعاني المبصرة التي تدرك بالقياس في حال إدراكها.

Page 227