Majālis al-ṭabarī
مجالس الطبري
بسم الله الرحمن الرحيم
(1) مجلس [في تحديد مكان الوقف في قوله تعالى: لايعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم]
قال أحمد بن موسى الطبري رحمة الله عليه: جرى بيني وبين رجل من أهل صنعاء كلام، وهو: رجل مقرئ يقال له: (ميمون)، فقلت له: ما تقول يا ميمون، قال الله عز وجل: {لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم}؟
فقال: يا أبا الحسين، ليست هكذا القراءة، إنما قال: {ما يعلم تأويله إلا الله} [آل عمران: 7] هاهنا الوقف.
قال: فغفلت عنه حتى نسي الكلام ساعة، ثم قلت له: يا ميمون، ما معنى قول الله عز وجل: {واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها} [يوسف: 82] قال: ليس القرية تسأل لإنها جماد، وكذلك العير لا تتكلم، وإنما يتكلم أهلها.
قال: فقلت له: يا ميمون، هذا من التنزيل أو من التأويل؟
فقال: بل هو من التأويل.
قلت له: أليس قلت لي آنفا: إن الوقف: {ما يعلم تأويله إلا الله} فمتى نزل عليك هذا التأويل؟
قال: فتحير وبرم، وضحك قوم كانوا بالحضرة.
فقال: ثم إني قلت له: في كلامنا بقية يا ميمون، قوله عز وجل: {والراسخون في العلم يقولون آمنا به} [آل عمران: 7] إن كانوا آمنوا بما جهلوا فليس معهم إيمان، وإن كانوا آمنوا بما علموا فإيمانهم صحيح.
Page 4
(2)مجلس [في معنى الهدى والضلال]
قال: وجرى بيني وبين رجل من كبراء أهل صنعاء كلام، فقلت له: ما تقول، على كم الهدى من وجه عندكم؟
فقال لي: يا أبا الحسين، الهدى على وجه واحد، والضلال على وجه واحد.
قلت: فبين لي/3 / كيف؟
قال: نحن نقول: من هداه الله تعالى فليس له إلى الضلال سبيل، ومن أضله فليس له إلى الهدى سبيل.
قال: قلت: وهذا قولكم.
قال: نعم.
قال: قلت له: فأخبرني عن أبينا آدم عليه السلام، أهو عندك ممن هداه الله؟
قال: نعم.
قلت: فقال الله تعالى بقراءة الخاص والعام : {وعصى آدم ربه فغوى} [طه: 121] كيف غوى؟ وقد هداه الله تعالى؟!
قال: فتحير ثم انقطع .
Page 5
(3)مجلس [في الهدى والضلال]
قال: وجرى بيني وبين إبراهيم الحداقي وكان من فقهاء أهل صنعاء كلام، فقلت له: يا إبراهيم، بيني وبينك خلاف في حرف من كتاب الله عز وجل.
قال: يا أبا الحسين، وما هو؟
قلت: قول الله تعالى: {الركتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم} [إبراهيم: 1].
قال: وكيف ذلك؟
قلت: لإنك تقول: إن الله أخرج قوما من الظلمات إلى النور، وأدخل قوما في الظلمات وأخرجهم من النور.
قال: لست أقول هكذا.
قلت: أليس أنت تقول: {يضل من يشاء ويهدي من يشاء} [النحل: 93] [فاطر: 8] على وجه الجبر؟
قال: بلى.
قلت: فكان الذين أضلهم أخرجهم من النور إلى الظلمات، والذين هداهم أدخلهم في النور وأخرجهم من الظلمات.
قال: أما هكذا فنعم.
قلت: فعد بنا إلى كتاب الله عز وجل، فأنا وأنت نعد له.
قال: إفعل.
قلت: أفتكلم لي ولك.
قال: نعم.
قلت: قال الله عز وجل:{الله ولي الذين آمنوا يخرجهم/4/من الظلمات إلى النور والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [البقر: 57]، إنسب يا إبراهيم، إلى الله عز وجل ما نسب إلى نفسه، وانسب إلى الطاغوت ما نسب الله إليه.
Page 6
(4)مجلس [حول الجبر والإختيار]
قال: وجرى بيني وبين رجل من الأشراف حسيني ب(عدن) كلام، وكان يقول بالجبر. فقلت له: ما تقول أيها الشريف في جدك علي بن أبي طالب عليه السلام، هل قتله عبد الرحمن بن ملجم باختيار أو باضطرار؟ قل ما شئت.
قال: وكان رجلا حاضر الذهن ففهم ما أردت به، فقال لي: يا أبا الحسين، أنت تلجئني إلى الوعر، إن قلت: إن عبد الرحمن بن ملجم قتل جدي عليا عليه السلام باضطرار أهدرت دم جدي علي؛ لإنه لا يكون على عبد الرحمن في قتله شئ؛ لقول الله تعالى: {إلا ما اضطررتم إليه} [الأنعام: 119]، وإن قلت: إنه قتله باختيار خرجت من مذهبي، وإلى مذهبك أعود.
قلت: لا تستكبر، ليس المذهب مذهبي، هو مذهب آبائك وأجدادك الطاهرين، قلت: فعلى ما أذهب منك.
قال: تنظرني حتى ألقاك يا أبا الحسين.
قال: قلت: اللهم، أشهد على عبدك، وابن نبيك أني قد بلغت إليه الحق الذي جاء به جده عليه السلام /5/.
Page 7
(5)مجلس [الفرق بين الموحد والملحد]
قال: وسألني بعض إخواني، فقال لي: يا أبا الحسين، ما يكون الفرق بين الملحد والموحد؟
فقلت له: إعلم أكرمك الله أنه أجمع الملحد والموحد [على] أن الله تبارك وتعالى لو أراد ما عصي، ثم قال الموحد: الله عز وجل مع هذا ما رضي بفعل العصاة، لقوله سبحانه: {إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر} [الزمر: 7]. وقال الملحد: لما كان الله قادرا على أن ينتقم الكافرين،فأخر النقمة عنهم علمنا أنه قد رضي بفعلهم، فهذا الفرق بين الملحد والموحد، فاعلم ذلك.
Page 8
(6)مجلس [مع رجل من الإمامية في علم الإمام]
قال: ولقيت رجلا من الحسينيين ب(عدن)، وكان يقول بمذهب الإماميه قال: فقعدت معه على ساحل البحر في مسجد بناه رجل غريب.فقلت له: ما تقول يا شريف، أنت مجمع معي على أن يد النبي صلى الله عليه وعلى آله فوق أيدي الأئمه الطاهرين، من علي إلى المهدي عليهم السلام.
قال: نعم.
قلت: فضائل النبي صلى الله عليه، فوق فضائل الأئمة وأعلا منها.
قال: نعم.
ثم قلت: تزعم أن إمامك يعلم ما في قعر هذا البحر؟
قال: نعم.
قلت: والله عز وجل يقول لرسوله صلى الله عليه: {ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم} [التوبة: 101].
قال: فتحير وسكت.
Page 9
(7)مجلس [مع إمامي في ما تستحق به الإمامة]
قال: وجرى بيني وبين رجل /6/ حسيني كلام، فقلت له: يا شريف، الإمامة في أولاد الجوهرتين الحسن والحسين عليهما السلام بالاستحقاق؟
قال: لسنا نقول بهذا يا أبا الحسين.
قلت: فكيف قولكم؟
قال: نحن نقول: بالنص.
قلت: وما النص؟
قال: ينص الأول على الآخر، يقول الإمام الذي هو اليوم للناس: هذا إمامكم من بعدي.
قلت له: فلست أشط عليك بما لا تقوى عليه، قد أجمعت الأمة بأسرها على أن رسول الله صلى الله عليه نص عليا يوم الغدير ونوه باسمه، وعرف بإمامته، فلست أسألك مثل تلك الجماعة، ولكني أسألك شاهدين عدلين من غير أهل مذهبك، يشهدان أن عليا عليه السلام، نص الحسن كما نصه الرسول صلى الله عليه، فإذا أتيت لي بهذا ولست تقدر على ذلك سألتكم شاهدين عدلين من غير أهل مذهبك، يشهدان أن الحسن نص الحسين كما نصه علي عليه السلام، ثم بين لي أي إمام نص على الذي يكون من بعده إلى الطرف؟ فلم يجد جوابا وانقطع.
Page 10
(8)مجلس [في صوم يوم الشك والخلاف في ميراث الجد والقتال بين
المؤمنين]
قال: وكان بيني وبين أبي يعقوب المقرئ ب (عدن) كلام، في مجلس ابن رياح، فقال لي أبو يعقوب: متى صمت يا أبا الحسين؟
قلت: صمت أمس يا أبا يعقوب.
قال: فصام/7/ الناس اليوم، وصمت أمس، لإي علة؟
قلت: للخبر المروي عن علي عليه السلام.
قال: وما هو؟
قلت: قوله: ((لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان)).
قال: يا أبا الحسين، فأنت تقول بالشك؟
قلت: أما في الله وملائكته وكتبه ورسله فمعاذ الله، وأما في نهار أمس فقد شككت. فما تقول في نهار أمس كان من شعبان أو من رمضان؟
قال: لاأدري. قلت: فقد استوينا في الشك في نهار أمس، ولكنك أمنت على نفسك فأقدمت، وخفت على نفسي فاستحطت.
ثم قال: يا أبا الحسين، بلغنا عنك أنك تقول: ليس بين العلماء اختلاف.
قلت: نعم، هذا قولي واعتقادي.
قال: أفليس عندك خبر أبي بكر وعلي واختلافهما في الجد؟
قال: قلت: يا أبا يعقوب، إنا في طلب هذا الأمر، فعرفني كيف كان اختلافهما؟
قال: نعم، اختلفا في ميراث الجد، فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الجد يقاسم الإخوة إذا كانوا مجتمعين، ويقاسم الإخوة إذا كانوا منفردين، ولا يقاسم الأخوات إذا كن وحدهن، ولا يبرح يقاسم الإخوة ما كانت المقاسمة خيرا له، فإذا خشي على سدسه الضرر قبضه، وخلى أهل الفريضة وفريضتهم. وقال أبو بكر: الجد بمنزلة الأب/8/يحجب ما حجب الأب، ويرث ما ورث.
Page 11
قال: قلت: يا أبا يعقوب، قد وطئت الكتب، ولقيت العلماء، ودخلت البلدان، فهل رأيت أحدا، أو قرأت في كتاب أن أحدا من الأمة يخرج من حكم علي هذا في الجد؟
قال: لا.
قلت: فهل قرأت في الكتب، أو سمعت أحدا من الأمة يدخل في حكم أبي بكر؟
قال: لا.
قلت: يا أبا يعقوب، فإذا كنت أنت وأصحابك وجميع أهل مقالتك تقولون بإمامة أبي بكر، وأنتم وجميع أهل الإسلام خارجون من حكمه فكيف منزلته عندكم؟ ولربما أعملت الفكر في أمركم، فإن أصدق كلامكم على الرجل وقد غاب عني شخصه فأنا متحير في كلامكم، وإن أقل: إنكم اتخذتمم إلى الرجل ما لم يقل فبالحرا.
ثم قال: يا أبا الحسين، بلغنا أنك تقول: ليس بين المؤمنين قتال.
قلت: نعم، هذا قول واعتقادي.
قال: أفليس عائشة قاتلت عليا؟
فقلت له: عائشة لم تؤمر بالقتال، إنما أمرها الله عز وجل بأن تقر في بيتها، فعصت ربها ونبيها.
قال: فتحير، ثم قلت للجماعة الذين كانوا حضورا معنا: إنما القتال بين المؤمنين والكافرين.
ثم قلت: هل منكم أحد يشك في إيمان أمير المؤمنين علي عليه السلام؟
قالوا: معاذ الله!
قلت: فأحد منكم يشك في كفر/9/ذي الثدية.
قالوا: لا.
قلت: فجميع من حارب أمير المؤمنين عليا عليه السلام، فهو كافر بالله.
قال: فانقطع أبو يعقوب وأمسك.
ثم ألتف إبراهيم بن رياح إلي. فقال لي: يا أبا الحسين، أنت مقلد.
قلت له: إني أبرأ إلى الله من فريقين.
قال: ومن هما؟
قلت: من الذين قال الله سبحانه فيهم: {وكذبوا واتبعوا أهوآئهم} [القمر: 3]، ومن الذين قالوا: { إنا وجدنا آبائنا على أمة وإنا على ءاثارهم مقتدون}.
Page 12
قال: فممن أنت؟
قلت: من الذين قال الله عز وجل فيهم: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء: 65].
قال: يا أبا الحسين، وفيمن هذه الآية ؟
قلت: هي في النبي صلى الله عليه، وفيمن يقوم مقام النبي صلى الله عليه، من أهل بيت النبي في أمة النبي.
قال: لا يا أبا الحسين، إنما هذه الآية خآصة في النبي، والنبي فقد غاب.
قلت: فأحسن الله جزاك يا أبا إسحاق.
قال: فيم تشكرني؟
قلت: عندما رفعت عنا العبادة.
قال: كيف ؟
قلت: لإنك قلت: إنها خاصة في النبي وليست لإحد بعده، فإذا غاب عنا المعلم ولم يبق من يقوم مقامه فقد ارتفعت العبادة.
قال: أنا استغفر الله يا أبا الحسين، بل الآية كما قلت خاصة في النبي وعامة/10/فيمن يقوم مقام النبي، من أهل بيت النبي، في أمة النبي عليه وعليهم السلام.
ثم قال إبراهيم لجميع من حضر: دعوا الكلام لأبي الحسين.
Page 13