كان الجميع منهمكين في الإعداد لتخليد ذكرى الشيخ محمد عبده،
69
وكان طه يسهم في ذلك، لكنه يقرر ألا يلقي كلمة في هذه المناسبة:
فأفكاري لا ترضي أحدا؛ إنني أرى فيه مجددا عظيم الأهمية، لكنه حمل نصوص الإسلام أكثر مما تحمل لكي يجعلها تتفق والعلم الحديث.
وقبل أيام من الاحتفال، كانوا يعقدون اجتماعا في الجامعة. وكان الشيخ بخيت،
70
عشية ذلك اليوم، قد انتقد الزواج المختلط بشدة، ولم يكن طه حاضرا الاجتماع. لكنه في اجتماع ذلك اليوم كان من الخبث بحيث طرح هذا السؤال: «هل ستشارك النساء في هذا الاحتفال؟»
المشايخ بطبيعتهم حذرون؛ فهم ينتظرون جواب موظف من الوزارة فإذا كانت الوزارة، بالصدفة، تقدمية؛ فلا يجب أن يكون المرء رجعيا، لكن الوزارة لم تكن تقدمية. ويقول لطفي: «لا، لا نساء ولا فوضى، ثم إنني بصراحة يا دكتور طه لا أرى ما يدفعك لطرح مثل هذا السؤال!» فيتجرأ المشايخ ويهاجمون بعنف هؤلاء الشباب الذين يريدون قلب القانون الأخلاقي ... ويسأل أحدهم: «دكتور طه ... هل أنت متزوج؟» - نعم يا سيدي! - هل ستصحب زوجتك؟ - لا يا سيدي؛ لأنها في فرنسا. - في فرنسا؟! وتركتها تذهب وحدها؟! - نعم يا سيدي؛ فهي فرنسية. - ولماذا تزوجت فرنسية؟ لو كنت حرا لاشترعت قانونا ينفي كل مصري يتزوج من أجنبية. - أرجوك يا سيدي، اشترع هذا القانون، فإني أستعجل ألا أستمع إلى مثل هذا الكلام! فينفجر الرجل ضاحكا، ويضحك الجميع، ويأخذون في المزاح، إلا أن الشيخ بخيت استأنف الكلام: «لكني بعد كل شيء يا دكتور طه أود أن أفهم الأسباب الحقيقية التي حملتك على الزواج من أجنبية ... فأنت مصري طيب ووطني طيب عظيم الذكاء ... فكيف أقدمت على مثل هذا العمل؟!» - قابلت فتاة، وأحببتها؛ فتزوجتها. ولو لم أفعل لبقيت عزبا أو لتزوجت - نفاقا؛ بما أنني أحب امرأة أخرى - امرأة مصرية، وكنت سأجعل منها امرأة تعسة! - هذا أمر لا أستطيع تصوره! - هذا أمر لن تستطيع تصوره دوما يا فضيلة الشيخ؛ فنحن لا ننظر إلى الأشياء بالطريقة نفسها أبدا.
وهنا يتدخل لطفي: «تعلمون أن الدكتور طه معذور.» وأراد منصور وقد خرج عن طوره أن يدعمني. لكني، وقد بلغ بي الغضب أشده، صحت بهم: «إنني لم أكلفكم بإعذاري؛ فأنا لم أحاول الاعتذار قط. ولو ترتب علي أن أفعل، فلن أجعل منكم المدافعين عني، فأنتم محامون رديئون جدا ...» وكادت الأمور تأخذ مجرى سيئا لولا أن الشيخ الأول أخذ يصرح بأن كل هؤلاء الحمقى يتدخلون فيما لا يعنيهم وأنه، هو نفسه، لا يصدق كلمة مما قاله، والبرهان على ذلك أنه أنشأ ابنته نشأة حديثة: «أؤكد لك يا طه بك أنني أحبك وأنني أستلطفك ... لقد كنت دوما أعجب بمقالاتك، وبالأمس فقط كنت أتحدث في ذلك لرئيس المجلس، ومن يدري؟! لعل الفضل في ذلك يعود إلى تعاون السيدة معك
71 ... لا يشغلك هؤلاء المشايخ ولا هذه الطرابيش ... أيها الحمقى! ألا تخافون أن يهجوكم غدا؟ ولم يكن يتوهم؛ فقد ظهر المقال في الأهرام.»
Unknown page