Ma Hiya Sinima
ما هي السينما!: من منظور أندريه بازان
Genres
مثل هذه النقاشات، سواء أكانت بسبب أفكار آتية من داخل عالم الفيلم الروائي التخيلي، أم بفعل تحدي النماذج التي تحيط به من الخارج، جعلت دراسات السينما أحد أكثر المجالات المفعمة بالنشاط في العلوم الإنسانية على مدار العقود الخمسة الماضية. واحتمال اضمحلال هذه النقاشات هو أدعى للقلق من التحول المحتمل لموضوعها؛ ذلك لأن فهمنا المتزايد النضج للطريقة التي عملت بها الأفلام، وكيف أصبحت تعمل بهذه الطريقة، يمكن أن يرشد دراسة أي «سمع مرئيات» تجذب انتباهنا، سواء تلك التي كانت موجودة قبل ظهور الأفلام أو تلك التي ظهرت في هذا القرن الجديد. ومثل عامة الجمهور، انجذب الدارسون والمفكرون نحو السينما الروائية بسبب حجمها الكمي المجرد، وبسبب آثارها النفسية الاجتماعية، وبسبب الجهود الإبداعية الذي بذلها أولئك الذين سعوا لتغيير مسيرتها من داخل الوسيط أو من خارجه. انحرف كثير من أفضل العقول في العلوم الإنسانية عن مساعيهم الأدبية أو الفلسفية أو الثقافية الاجتماعية أو التاريخية لتفسير طبيعة أكثر وسائط القرن العشرين مهابة. لقد أنتجوا في الكثير من الأحيان مقولات ومواقف معقدة وإبداعية وحماسية، كما أنتجوا طريقة في التفكير، ونموا غريزة للنظر والاستماع. وحتى إذا كان معظم ما كتب يمكن تجاهله بلا خسارة حقيقية، فإن هذا الخطاب - هذا الدفع لفهم كيفية عمل الفيلم الروائي - قيم. وسيكون معنى إدراج هذا داخل فكرة أشمل عن تاريخ السمع مرئيات، أو تبديده في مجال الدراسات الثقافية المثير للارتباك، أو أن يصبح - على سبيل المثال - مساحة اختبار أخرى لدراسات الاتصال، هو فقدان شيء كانت قيمته مستمدة دائما من الكثافة والتركيز اللذين تستدعيهما الأفلام وتستلزمهما أحيانا.
شجع ظهور التكنولوجيا الرقمية زيلينسكي وآخرين على رفع أبصارهم عن السينما التقليدية بوصفها الهدف الرئيسي لما أخذ اسم دراسات السينما. وبالفعل، يبدو العمل الأكاديمي مشتتا، على الأقل لحظيا ؛ حيث حيدت مسائل الوسائط الجديدة والعمليات الرقمية الموضوعات النظرية الأخرى في المنشورات والمؤتمرات أو احتلت موقعها. ظهرت مجموعة أخرى من التصورات في كل مستوى، من الإنتاج إلى المشاهدة. وبدلا من تأييد التصريحات التي ظهرت في الألفية الجديدة بشأن التحول الكامل لنطاق الوسائط الإعلامية أو شجبها، دعونا نستغل فرصة الانعطاف الرقمي للسينما الذي لا يمكن إنكاره، لإعادة التفكير في ماضي الفن السينمائي وقدرته الكامنة.
تفترض جماهير اليوم أن صناع الأفلام يصنعون تجارب سمع مرئية بالكامل، مشجعين فكرة أن الأفلام لم تكن دائما إلا مجموعة من المؤثرات الخاصة، أو ما يسمى «أثر السينما»، كما عنون شون كيوبيت كتابه الطموح.
6
هذه هي الرؤية التي يقترحها ليف مانوفيتش بطريقة مباشرة؛ فالأفلام من وجهة نظره أدوات تخدم هدفين؛ وهما: «الكذب، والتمثيل».
7
وبتقديمها بهذا الشكل، تتوافق السينما على نحو مثالي مع التاريخ السياسي والاجتماعي، بينما تنشر الأفلام، بوصفها «آلات عرض الأشياء المرئية»،
8
إما لبناء تمثيلات مصممة سلفا، مضللة لا محالة (أو «متحيزة»، بتعبيرنا)، وإما لاستخراج رد فعل مباشر ومحسوب من المشاهد.
أقصد هنا تقديم فكرة جد مختلفة عن السينما، وهي فكرة لا تتوافق مع أي من عنوان كيوبيت أو نصوص مانوفيتش: فالسينما ليست - أو لم تكن دائما - وسيطا يتعلق بالمؤثرات الخاصة في المقام الأول. الأفلام، التي يهتم بها بعضنا أكبر اهتمام، ويعتبرونها محورية لمشروع السينما كله، لها مهمة أخرى مختلفة تماما عن الكذب أو الإثارة؛ تهدف للاكتشاف والالتقاء والمواجهة والإفشاء. إذا كان هناك شيء يتعرض للخطر بسبب الثقافة السمع-مرئية الرقمية الجديدة، فإنه الشهية لهذه اللقاءات التي يمكن أن تنتجها هذه الرحلات الاستكشافية. من الواضح أن كثيرا من الناس يشعرون أن العالم، والبشر الذين يسكنونه، تم استكشافهم بما يكفي، ولم يعد هناك ما ينتظر إعلانه، على الأقل في وسيط يهيمن عليه الترفيه والإعلان.
Unknown page