Lubab Fi Culum Kitab
اللباب في علوم الكتاب
الثاني: أن الله - تعالى - قال:
لتدخلن المسجد الحرام
[الفتح: 27]، فلما دخلوا المسجد الحرام، ولا بد أن ينقلب ذلك الخبر إلى أنهم قد دخلوا المسجد الحرام من غير أن يتغير الخبر الأول، فإذا أجاز ذلك فلم لا يجوز في مسألتنا؟ فإن قلت: قوله: { إن الذين كفروا } صيغة جمع مع " لام " التعريف، وهي للاستغراق بظاهره، ثم إنه لا نزاع في أنه ليس المراد منها هذا الظاهر؛ لأن كثيرا من الكفار أسلموا، فعلمنا أن الله - تعالى - قد تكلم بالعام وأراد الخاص، إما لأجل أن القرينة الدالة على أن المراد من ذلك العام ذلك الخصوص كانت ظاهرة في زمان الرسول - عليه الصلاة والسلام - فحسن ذلك لعدم اللبس، وظهور المقصود، وإما لأجل أن المتكلم بالعام لإرادة الخاص جائز، وإن لم يكن البيان مقرونا به عند من يجوز تأخير بيان التخصيص عن وقت الخطاب، وإذا ثبت ذلك ظهر أنه لا يمكن التمسك بشيء من صيغ العموم على القطع بالاستغراق، لاحتمال أن المراد منها هو الخاص، وكانت القرينة الدالة على ذلك ظاهرة في زمان الرسول عليه الصلاة والسلام، فلا جرم حسن ذلك، وعدم العلم بوجود قرينة لا يدل على العدم.
وإذا ثبت ذلك ظهر أن استدلال المعتزلة بعمومات الوعيد على القطع بالوعيد في نهاية الضعف، والله أعلم.
فصل في المذهب الحق في " تكليف ما لا يطاق "
قال ابن الخطيب: احتج أهل السنة بهذه الآية وما أشبهها على تكليف ما لا يطاق وتقريره: أنه - تعالى - أخبر عن شخص معين أنه لا يؤمن قط، فلو صدر منه الإيمان لزم انقلاب خبر الله - تعالى - الصدق كذبا، والكذب عند الخصم قبيح، وفعل القبيح يستلزم إما الجهل وإما الحاجة، وهما محالان على الله تعالى، والمفضي إلى المحال محال، فصدور الإيمان منه محال، فالتكليف به تكليف بالمحال، وقد يذكر هذا في صورة العلم، وهو أنه - تعالى - لما علم منه أنه لا يؤمن، فكان صدور الإيمان منه يستلزم انقلاب علم الله جهلا، وذلك محال، ويستلزم من المحال محال، فالأمر واقع بالمحال.
ونذكر هذا على وجه ثالث: وهو أن وجود الإيمان يستحيل أن يوجد مع العلم بأنه لا يؤمن؛ لأنه إنما يكون علما لو كان مطابقا للمعلوم، والعلم بعدم الإيمان يلزم أن يجتمع في الإيمان كونه موجودا ومعدوما معا، وهذا محال، والأمر بالإيمان مع وجود علم الله بعدم الإيمان أمر بالجمع بين الضدين، بل أمر بالجمع بين العدم والوجود، وكل ذلك محال.
ونذكر هذا على وجه رابع: وهو أنه - تعالى - كلف هؤلاء الذين أخبر عنهم بأنهم لا يؤمنون البتة [والإيمان يعتبر فيه تصديق الله - تعالى - في كل ما أخبر عنه أنهم لا يؤمنون قط] وقد صاروا مكلفين بأن يؤمنوا بأنهم لا يؤمنون قط، وهو مكلف بالجمع بين النفي والإثبات.
ونذكر هذا على وجه خامس: وهو أنه - تعالى - عاب الكفار على أنهم حاولوا فعل شيء على خلاف ما أخبر عنه في قوله:
يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل
Unknown page