فقال الملك: ستجد الشفاء التام يوم تدخلها غازيا على رأس جيش الخلاص .
فعاود الشاب الرجاء قائلا: أبي، طالما عللت نفسي برؤية طيبة قريبا.
فقال الملك بحزم: لن يطول انتظارنا، فاصبر حتى تأذن ساعة الكفاح.
وأدرك الشاب من لهجة الملك أنه قال كلمته الأخيرة، فأشفق من إغضابه إذا عاوده الرجاء، وحنى رأسه دلالة على التسليم والقبول وقد أحس الألم يقطع قلبه ويكتم أنفاسه، ولكنه تماسك وتجلد ومضى إلى المعسكر حيث يتدرب الرجال والقلب حزين كئيب، وكان نهاره ينقضي في العمل الشاق فلم يظفر من يومه إلا بساعة قصيرة قبيل النوم فينادي في خلوته حلو الذكريات، ويحوم بخياله حول المقصورة الجميلة في السفينة الفرعونية التي شاهدت ساعة الوداع أبدع الحسن وألطف الهوى، فيخال أنه يسمع الصوت الرخيم يتمتم قائلا: «إلى الملتقى»، ثم يتنهد من أعماق قلبه ويقول أسيفا محزونا: أين الملتقى؟ .. إنه الوداع الذي لا لقاء بعده.
على أن نباتا في تلك الأيام كانت حقيقة بأن تنسي الرجل نفسه وهمه، وتقصره على الاشتغال بما هو أجل وأخطر، وكان الرجال يعملون جادين يكافحون بغير انقطاع، فإذا نسمت عليهم ريح طيبة وهزهم الشوق إلى من خلفوهم وراء أسوارها، تنهدوا حينا ثم انكبوا على ما بين أيديهم بهمة أعظم وعزيمة أشد، ومرت بهم الأيام لا يصدقون أن في الدنيا شيئا غير العمل، أو أن في الغد شيئا سوى الأمل .. ثم عادت القافلة برجال جدد يهتفون كما هتفوا يوم مجيئهم ويصيحون متلهفين مثلهم: أين مليكنا «كاموس»، وأين أمنا توتيشيري، وأين أميرنا أحمس؟ .. ثم ينضمون إلى المعسكر يعملون ويتدربون.
وجاء الحاجب حور الأمير أحمس وحياه، ثم مد له يده برسالة وقال: عهد إلي أن أحمل إلى سموك هذه الرسالة!
فسأله أحمس وهو يتناولها دهشا: من مرسلها؟
ولكن حور لازم الصمت في وجوم، فخطر للأمير خاطر فخفق قلبه، وفض الرسالة وقرأ الإمضاء فارتعدت مفاصله واشتد وجيب قلبه، وجرت عيناه على الأسطر فإذا هي ما يأتي:
أيها التاجر إسفينيس
يحزنني أن أخبرك بأني اخترت قزما من أقزامك ليعيش معي في جناحي الخاص، وأني عنيت به وأطعمته ألذ الطعام وكسوته أجمل الكساء وعاملته أحسن المعاملة، حتى أنس بي وأنست به، ثم افتقدته يوما فلم أجده فأمرت الجواري أن يبحثن عنه فوجدنه قد هرب إلى أخويه في الحديقة، فآلمني غدره وصددت عنه، فهل لك أن تبعث إلي بقزم جديد يعرف الوفاء؟
Unknown page