بين هذه الوجوه كنت أرى الوقت بعد الوقت وجها شاحبا خجولا وجلا، يلعب به الرجاء، ويصرعه اليأس. وجه الفقير يلتمس عملا ليأكل خبزا، ويحمل ملتمسه على قرطاس جميل بخط جميل واهما أن جمال الطلب وسيلة لقبوله.
كنت في بدء حياتي الإدارية كثير العناية بهذه الطلبات أقرأها، واستعيد قراءتها، وأحملها مسرعا إلى رؤسائي آملا أن تصيب قبولا، فأحمل البشرى عن ارتياح وسرور.
تكررت هذه الطلبات، وتكرر رفضها من الرؤساء، وألفت شيئا فشيئا قساوة هذا الرفض، وبعد أن كنت أحمله إلى أربابه متلطفا متأسفا أصبحت أحمله إليهم، كما أحمل أي نبأ لا يتحرك له الفؤاد.
سافر رؤسائي إلى مصايفهم وزودوني ضمنا بنزعاتهم ووكلوا إلي بعض الأعمال، فمن أيام تناولت كتاب رجل من القوم الذين يمضون نهارهم في البحث عن عمل صغير في المصالح، أو كتابة خطابات لرؤسائها يسترحمون ويتظلمون إليهم من الفقر وحمل العائلة.
كان لهذا الكتاب ميزة تظهره على أمثاله، كان مرسوما على ورقة نزعت من كراسة تلميذ في بدء سني دراسته، والورقة مصفرة والمداد الذي كتب به، كأنه مداد طفل طالما خلطه الطفل بالماء.
واليد التي خطته هي يد عانية، لا تجيد رسم الحروف، والقلم الذي صاغه لا يحسن صوغ الجمل. ليس في الخطاب أكثر من المعنى الذي تعودنا وعيه من مثل ذلك الكتاب.
الرجل فقير وذو عائلة، ويلتمس من مراحم صاحب السعادة عملا ليأكل منه الخبز، وهو يدعو لصاحب السعادة عند الله بطول العمر.
كان ذلك الخطاب في مجموعه كالأمل الشاحب الضعيف وضعته أمامي، وغمست الريشة في الحبر الأحمر، ورسمت عليه كلمة الإهمال التي علمنيها أصحاب السعادة الرؤساء!
رسمت الكلمة بغير رفق فتمزق من الخطاب شيء ونثرت الريشة قطيرات حمراء، كأنها دم الفقير انتثر من قلب ممزق.
ناديت الكاتب ليحمل هذا الأمل الضعيف المهزوم.
Unknown page